آداب و ثقافة
بعد 150 عاماً من الغموض.. تابوت روماني يكشف أسرار راهب من العصور الوسطى

سمانيوز /متابعات/ مرفت عبدالحميد
بعد أكثر من 150 عاماً من الحيرة، اقترب علماء الآثار من حل لغز تابوت حجري روماني عُثر عليه في دير وستمنستر الشهير في لندن، بعدما كشفت تحليلات حديثة أن الهيكل العظمي الموجود داخله يعود إلى العصور الوسطى، وليس إلى العصر الروماني الذي نُقش اسم صاحبه الأصلي على التابوت.
وتشير النتائج الجديدة إلى احتمال أن يكون التابوت قد احتضن رفات أحد رئيسَي الدير السابقين، ألفويغ أو وولنوث، اللذين توليا قيادة المؤسسة الدينية قبل نحو ألف عام.
ورغم أن الأدلة لم تحسم هوية المتوفى بصورة نهائية، فإنها ضيّقت دائرة الاحتمالات إلى شخصيتين محددتين.
وتوصل إلى هذه النتائج البروفيسور وارويك رودويل، عالم الآثار الاستشاري في دير وستمنستر، ونشرها في دراسة محكّمة بمجلة مجلة الجمعية الأثرية البريطانية.
يحمل التابوت المصنوع من الحجر الجيري نقشاً يخلّد ذكرى فاليريوس أمندينوس، وهو بريطاني ثري عاش في المدينة خلال الفترة الممتدة تقريباً بين عامي 300 و400 ميلادي.
لكن غطاء التابوت يضم صليباً لاتينياً كبيراً يُرجّح أن يعود إلى القرنين العاشر أو الحادي عشر، ما يشير إلى أن التابوت الروماني أُعيد استخدامه بعد قرون طويلة لدفن شخص آخر.
وظل هذا التباين الزمني يثير التساؤلات بشأن هوية الشخص الذي دُفن داخله، حتى كشفت الفحوص الأحدث أن الرفات تعود إلى فترة متأخرة كثيراً عن زمن صاحب النقش الأصلي.
ويرجح رودويل أن المتوفى كان راهباً رفيع المكانة، وربما رئيساً للدير، إذ إن تخصيص تابوت حجري روماني فاخر لدفنه يوحي بأنه كان يحظى بمكانة دينية واجتماعية مهمة.
خزانة الأواني
بدأت قصة التابوت الحديثـة عام 1820، عندما عثر عليه عمال بالصدفة أثناء أعمال في المنطقة المحيطة بخزانة الأواني الكنسية الأصلية التي شُيّدت في عهد الملك هنري الثالث، في الجانب الشمالي من دير وستمنستر.
وخلال ذلك الاكتشاف، تحطم الغطاء الحجري إلى ست قطع.
وفي عام 1869، أُعيد اكتشاف التابوت رسمياً وأُصلحت الأجزاء المتضررة، لكن هوية الشخص المدفون داخله بقيت لغزاً. وشهد الموقع لاحقاً تحقيقات أثرية متعددة، بينها أعمال أجراها فريق برنامج «تايم تيم» التلفزيوني عام 2009 لدراسة بقايا الخزانة الكنسية التي تعود إلى العصور الوسطى.
كما نفذت شركة «بري-كونستركت أركيولوجي» المتخصصة في الآثار والتراث حفريات انتهت عام 2025، في إطار الأعمال المرتبطة بإنشاء خزانة الملك تشارلز الثالث، المقرر افتتاحها عام 2027.
وجاء أحد أبرز التطورات عام 2016، عندما نُقل التابوت إلى ورشة متخصصة في الترميم. فعلى الرغم من الاعتقاد السائد بأن الهيكل العظمي قد فُقد، رفع الباحثون الغطاء ليكتشفوا أن الرفات البشرية لا تزال في الداخل، وأن معظم أجزاء الهيكل العظمي محفوظة.
لم يقتصر الاكتشاف على بقاء الرفات، إذ لاحظ الباحثون أيضاً وجود حدود مستطيلة مرسومة ببقايا بيضاء على السطح الداخلي للحجر.
وتبيّن أن هذه البقايا ناتجة عن الجير، وهي مادة استُخدمت تقليدياً في بعض ممارسات الدفن، فيما يشير شكلها إلى أن تابوتاً خشبياً كان موضوعاً داخل التابوت الحجري.
ويرجح رودويل أن التابوت الخشبي تحلل بالكامل خلال القرون السبعة التي قضاها مدفوناً في فناء الخزانة الكنيسية، تاركاً وراءه الأثر الذي كشف وجوده.
تابوت خشبي
ويقدم هذا الاكتشاف تفسيراً محتملاً لكيفية إعادة استخدام التابوت الروماني، إذ يبدو أن المتوفى وُضع أولاً داخل تابوت خشبي، ثم أُدخل هذا التابوت في الحاوية الحجرية القديمة، قبل إعادة نحت غطائها وإضافة الصليب اللاتيني ليتناسب مع الدفن المسيحي.
ووصف رودويل الأثر المستطيل الذي تركه التابوت الخشبي بأنه اكتشاف جديد لافت، معتبراً أن وضع المتوفى في تابوت حجري بهذه القيمة يعكس تكريماً استثنائياً، وربما يشير إلى مكانته رئيساً للدير.
قدمت دراسة العظام دليلاً إضافياً على هوية المتوفى المحتملة. فقد حدد جيمس يونغ لانغثورن، المتخصص في تحليل العظام البشرية لدى شركة «بري-كونستركت أركيولوجي»، أن الرفات تعود إلى رجل تراوح عمره بين 35 و49 عاماً، ويبلغ طوله نحو 175 سنتيمتراً.
وتختلف هذه النتائج عن تقدير سابق يعود إلى القرن التاسع عشر، وصف الهيكل بأنه لرجل شاب قوي البنية لا يتجاوز عمره 30 عاماً، ويبلغ طوله نحو 170 سنتيمتراً.
الكربون المشع
وللتحقق من عمر الرفات، أرسل الباحثون عينة من العظم إلى مركز أبحاث البيئة التابع للجامعات الاسكتلندية لإجراء التأريخ بالكربون المشع، حيث أظهرت النتائج أن العظام تعود إلى فترة تتراوح بين عامي 987 و1052 ميلادي، وهي فترة تتوافق مع وفاة رئيسَي الدير المحتملين.
وقال رودويل إن هذه النتائج تؤكد أن إعادة استخدام التابوت وتعديل غطائه حدثا خلال أواخر العصر السكسوني في إنجلترا.
من يكون صاحب التابوت؟
بعد جمع الأدلة التاريخية والأثرية والعلمية، حصر الباحثون الاحتمالات في شخصيتين: ألفويغ: تولى رئاسة دير وستمنستر، الذي كان آنذاك ديراً للرهبان البندكتيين، وتوفي نحو عام 1020، وولنوث: خلف ألفويغ في رئاسة الدير، وتوفي عام 1049.
ويعتقد أن كليهما دُفن في دير وستمنستر، كما تتوافق فترة وفاتهما مع نطاق التأريخ الذي حددته التحاليل. لكن عدم معرفة تاريخ ميلاد أي منهما يحول دون تحديد هوية المتوفى اعتماداً على عمره عند الوفاة وحده.
ويرى رودويل أن ألفويغ قد يكون المرشح الأرجح قليلاً، بسبب صلته السابقة بالدير بوصفه أحد رهبانه قبل توليه رئاسته، لكنه شدد على أن الأدلة المتاحة لا تسمح بالجزم بهوية صاحب الرفات.
قصة غامضة
تكشف هذه القضية كيف يمكن لدمج التأريخ بالكربون المشع، وفحص العظام، وتحليل آثار الدفن، والوثائق التاريخية أن يعيد بناء أجزاء من قصة ظلت غامضة لأكثر من قرن ونصف القرن.
فالتابوت الذي صُنع أصلاً في بريطانيا خلال الحقبة الرومانية تحوّل لاحقاً إلى مكان دفن مسيحي لشخصية دينية بارزة في العصور الوسطى، في مثال على إعادة استخدام الآثار القديمة وتكييفها مع ممارسات وثقافات لاحقة.
ورغم أن هوية المتوفى لا تزال غير مؤكدة، فإن الاحتمالات أصبحت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. ويُعرض التابوت حالياً أمام الجمهور في قاعات اليوبيل الماسي للملكة في دير وستمنستر، شاهداً على تاريخ يمتد من بريطانيا الرومانية إلى إنجلترا في العصور الوسطى.
