آراء جنوبية

المناضل حسين ناجي محمد بين معركتي البناءالوطني ومقاومة المرض

 

كتب ::

د عيدروس نصر

لا يوجد في مديريات يافع الثمان من الناشطين السياسيين ومعظم المواطنين من لا يعرف المناضل حسين ناجي محمد (أبو علي) فقد ارتبط اسمه باسم مديريات يافع الثمان عندما كانت مديرية واحدة اسمها المديرية الغربية بالمحافظة الثالثة (محافظة أبين اليوم) وكان هو مأمورا لها، وقد ارتبط باسم هذا الرجل معظم المشاريع التنموية التي شهدتها المديريات الثمان، من مشاريع الطرقات إلى المدارس الابتدائية والاعدادية والثانوية، ومن الوحدات الصحية إلى التعاونيات الاستهلاكية والخدمية، ومن منشآت مراكز الشرطة والمؤسسات الحكومية إلى مشاريع مياه الشرب والري، وسواها من المشاريع الناجحة التي كان لحسين ناجي ورفاقه المناضلين الأوائل شرف التخطيط لها وتنفيذها وابتكار الوسائل المؤمنة لنجاحها حينما كانت موازنة الدولة لا تستوعب إلا القدر اليسير من النفقات الضرورية لتسيير الحياة ومقاومة مكائد الكائدين.
لست بصدد سرد سيرة حياة هذا المناضل التي لا تتسع لها عشرات الصفحات، لكنني وددت التعرض لما يعانيه اليوم وهو يقاوم أدواء الزمن وعاهات الانتكاسة الوطنية التي تعرض لها وطننا منذ كارثة العام 1990م، بابتسامته المعهودة وتفاؤله المغروس في أعماق وجدانه وإيمانه بالله والوطن والمستقبل لأجيال اليوم والغد.
عندما قرأت على شبكات التواصل الاجتماعي نبأ تعرضه لوعكة صحية انتابتني موجة قلق لا تقاوم، فقد كان منذ نحو سنيتن أجرى عملية قسطرة للقلب على حسابه الشخصي في أحد المستشفيات الأردنية، وتعافى إثرها لكن مشاكل القلب لا يؤتمن جانبها.
اليوم اتصلت عليه للاطمئنان فأخبرني بأنه بخير، وتلك عادته حتى وهو يغالب المرض، وأعرف أنه لا يرغب في إقلاق من هم أمثالي، فهكذا ديدنه مع كل محبيه، قال لي: لقد ترقدت ليالٍ ثلاث في أحد المستشفيات كلفتني قرابة نصف مليون ريال، واضطررت للخروج لأنني لا أستطيع تحمل هذه النفقات الباهظة.
يا إلهي!!!
من يصدق أن حسين ناجي الذي كان برفقة زملائه الرواد وراء مئات المشاريع الناجحة في مديريات يافع الثمان، بموازنات تفوق ملايين الدنانير الجنوبية، يغادر المستشفى دون استكمال الفترةالمقررة بسبب ارتفاع تكاليف العلاج؟؟
لو أن حسين ناجي استثمر في نضاله الممتد أكثر من نصف قرن لكان اليوم مليارديراً مثل عشرات المستثمرين من “الأكتوبريين” و”السبتمبريين” و”المايويين” و”النوفمبريين” الذي بغمضة عين تحولوا إلى ملاك كبار يشار إليهم بالبنان، لكن حسين ناجي ومثله آلاف المناضلين الشرفاء استثمروا في رأسمال آخر، هو كابيتال القيم والأخلاق والشرف والإباء والكرامة، وحب الناس والانحياز إلى فقراء الشعب ومشاركتهم الشقاء والسعادة الحقيقيين.
من أين للقيادات الطارئة التي قذفت بها الصدف إلى أرفع المواقع الحكومية لتتبوأها بلا خلفية ثقافية ولا معرفية ولا وطنية ولا حتى قيمية، فصار مطلوبا من الكثير منهم أن يقود سفينة الوطن وهو لا يعرف شيئا عن تاريخ هذا الوطن ورموزه التاريخية، من أين لهؤلاء أن يعرفوا شيئا عن حسين ناجي وأمثاله الشرفاء؟
سألت ذات مرة أحدهم هل سمعت عن حسين عبد الله محمد (ناجي)؟ قال لي نعم هذا الممثل المصري الذي مثل فيلم “خلي بالك من زوزو”، قلت له إذن وماذا تعرف عن عبد القوي مكاوي؟ فأجاب: لا هذا كان وكيل شركة تويوتا أيام الاستعمار؟
هذا الرجل اليوم يتبوأ موقعا قياديا يشرف من خلاله على مئات الأفراد ويتصرف بمئات الملايين من الريالات شهرياً.
من لا يعرف ماضي وطنه لا يمكن أن يجيد التصرف مع حاضره ولا أن يساهم في بناء مستقبله.
حياة حسين ناجي ومثله آلاف المناضلين الصامتين، بأنفة وعزة نفس، في ذمة من يحكمون البلد ويصنعون قرارها السياسي، حكومة الشرعية المهيمنة على موارد البلد هي مسؤولة أولا عن حياة هذا المناضل وأمثاله الآلاف من المواطنين الذين يموتون موتاً بطيئا في حين تصرف الحكومة عشرات آلاف الدولارات لإحداهن تعاني من اضطراب في العادة الشهرية أو أو أحدهم عنده بداية بواسير.
وقيادة المجلس الانتقالي ليست معفية من المسؤولية الأخلاقية تجاه هؤلاء المناضلين باعتبارها وريثا للتقاليد النضالية والإنسانية للشعب الجنوبي.
إنقذوا حسين ناجي ومن هم مثله من المناضلين، حتى لا تظلوا في هذا الموقف المخجل من الفشل الأخلاقي والإنساني والسياسي؟
ألف سلامة لك عزيزنا أبا علي !!
وألف لا شر عليك!!
ستهزم المرض كما هزمت الهزيمة نفسها، بقوة إرادتك التي لم تهزم في أحلك الظروف وأسوأ لحظات الانكسار، وستستعيد عافيتك بمقاومتك القائمة على الابتسامة والمرح والطرافة والتفاؤل والسخرية البناءة وحب الناس لك وابتهالاتهم التي لا تتوقف.

 

*صورة المناضل حسين ناجي محمد (أبو علي)*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى