
سمانيوز/ متابعات /أكرم أبو الهنود
أوروبا لا تسأل اليوم إن كانت تتعرض للضغط، بل عن النقطة التي يتحول عندها حادث لا يُسمى حرباً إلى تهديد يستوجب رداً.
مسيّرات قرب المطارات، وهجمات سيبرانية، وأعمال تخريب، وتحركات في أعماق البحر قرب بنية تحتية حساسة، كلها تقع في منطقة رمادية دون عتبة المواجهة العسكرية المباشرة، لكنها في الوقت نفسه تتجاوز ما يمكن تجاهله بلا كلفة سياسية وأمنية.
في هذه المساحة لا يرتبط اختبار الردع بحجم القوة المستخدمة بقدر ما يرتبط بتكرار العمليات وحدود الرد عليها.
وقال الكرملين، اليوم الاثنين، إن روسيا «لا تهدد فرنسا أو أي دولة أخرى في أوروبا»، وكان المتحدث باسمه دميتري بيسكوف يرد على بيان مشترك لمارين لوبان وجوردان بارديلا، قياديي «التجمع الوطني»، قالا فيه إنهما لن يقبلا محاولة روسيا التأثير في سياسة فرنسا عبر الترهيب أو التهديد أو زعزعة الاستقرار، وفق «رويترز»، لكن أهمية الرد الروسي تتجاوز السجال الفرنسي نفسه، إذ جاء في أسبوع شهد تحركاً أوروبياً متسارعاً للبحث عن آليات للتعامل مع ما تصفه عواصم أوروبية بـ«التهديدات الهجينة»، ففي 16 سبتمبر دعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى وضع «دليل أوروبي لمواجهة التهديدات الهجينة»، إلى جانب بروتوكول أمني طارئ، يسمح للدول الأعضاء بالتشاور، وتنسيق الرد عندما يقع حادث دون مستوى الهجوم العسكري التقليدي. وقالت، إن عقيدة أوروبا ومؤسساتها وآليات اتخاذ القرار لم تعد تواكب الواقع الجديد.
وبعد يومين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إن ما وصفه بـ«التهديد الهجين الروسي» ضد فرنسا وأوروبا يتصاعد، وكلّف حكومته وضع خطة لحماية البنية التحتية والمنشآت الحساسة من المسيّرات والهجمات السيبرانية.
موسكو رفضت الاتهامات ووصفتها بأنها بلا أساس، وبذلك ينتقل النقاش الأوروبي من توصيف الخطر إلى مسألة أكثر تعقيداً، وهي تحديد القاعدة التي يمكن أن تحكم الرد.
وتظهر هذه المعضلة بوضوح في قاع البحر، ففي 10 سبتمبر كشفت «رويترز»، نقلاً عن مسؤولين غربيين اثنين لم تسمهما، أن وحدات روسية متخصصة في أعماق البحار أجرت في الربيع قرب أرخبيل سفالبارد تدريباً يحاكي نشر تقنية قادرة على تعطيل كابلات بحرية حساسة من دون ترك مؤشرات واضحة على الجهة المنفذة.
وبحسب المسؤولين تعقبت بريطانيا والنرويج والولايات المتحدة القطع الروسية، وانتهت العملية من دون إلحاق أضرار بالكابلات، ولم تعلق وزارة الدفاع الروسية على تفاصيل العملية، فيما ينفي الكرملين تنفيذ أعمال تخريب في دول «الناتو» أو التخطيط لمواجهة مع الحلف.
وأشار تحقيق «رويترز» ذاته إلى أن كابلين للألياف الضوئية بطول نحو 1400 كيلو متر، يربطان سفالبارد بالبر النرويجي، ويصل عمقهما في بعض المناطق إلى 2700 متر، وينقلان كميات كبيرة من بيانات الأقمار الاصطناعية.
وقال وزير الدفاع النرويجي، توري ساندفيك، للوكالة: «إن عملية التعقب أرسلت رسالة بأن التحركات السرية يمكن كشفها، وإن استهداف البنية التحتية ستكون له عواقب»،لكن اكتشاف العملية لا يحسم مسألة الردع.
أوانا لونغيسكو، المتحدثة السابقة باسم «الناتو» والزميلة في المعهد الملكي للخدمات المتحدة «RUSI»، قالت لـ«رويترز» في 16 سبتمبر، إنه يصعب تصور أن تتمكن آليات التشاور وحدها من ردع روسيا، معتبرة أن الردع يحتاج إلى قدرات دفاعية وإرادة لفرض كلفة.
وفي المقابل لا يوجد اتفاق كامل داخل الأجهزة الأوروبية على مستوى الخطر، ففي مقابلات نشرتها «الغارديان» في 20 سبتمبر حذر رئيس جهاز الأمن التشيكي، ميخال كوديلكا، من أن استفزازات روسية محتملة قد تتطور خلال «أشهر لا سنوات»، أما رئيس جهاز أمن الدولة في لاتفيا، نورموندس ميزفييتس، فقال إنه لا يرى مؤشرات على هجوم وشيك، محذراً من أن تضخيم الخطر قد يسهم في نشر الخوف وعدم اليقين.
هذا التباين يعكس جزءاً من المشكلة نفسها، فرفع مستوى التعامل مع كل حادث يزيد مخاطر التصعيد، بينما قد يؤدي تجاهل العمليات المحدودة والمتكررة إلى إضعاف الردع.
«الناتو» بدوره يترك مساحة واسعة للتقدير، ففي تحديث رسمي في 29 يناير 2026 قال الحلف، إن سرعة العمليات الهجينة وحجمها وكثافتها ازدادت، وإنها قد تشمل التضليل والخداع والتخريب والهجمات السيبرانية، كما يؤكد أن هجوماً هجيناً كبيراً يمكن، وفق ظروف كل حالة، أن يصل إلى مستوى يستدعي الدفاع الجماعي.
وهنا تكمن الفجوة التي تحاول أوروبا التعامل معها، وهي أنه لا توجد عتبة واحدة تفصل بصورة آلية بين التخريب والعمل العدائي الذي يستوجب رداً جماعياً، لذلك يتجاوز نفي الكرملين في 21 سبتمبر حدود السجال مع حزب فرنسي.
موسكو تقول إنها لا تهدد أوروبا، فيما تقول عواصم أوروبية إنها تواجه نمطاً متصاعداً من العمليات الهجينة، وتبحث بروكسل عن القاعدة التي تحدد متى ينتهي الغموض ويبدأ الرد.
ويبقى السؤال الذي سيحكم هذا النقاش: متى يصبح عدم الرد على عملية تحت عتبة الحرب أكثر خطورة من الرد عليها؟
