أخبار عربية

لهذا تحوّلت بوصلة تركيا من أوروبا إلى إفريقيا

سمانيوز/خاص

تأتي جولة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إفريقيا، والتي تشمل أنجولا ونيجيريا وتوجو، ضمن جهود حثيثة تبذلها أنقرة لتعزيز نفوذها في القارة السمراء.
زيارة أنجولا هي الأولى لرئيس تركي، علماً بأن الرئيس الأنجولي جواو لورينسو زار تركيا، في يوليو الماضي، وشهد توقيع 10 اتفاقات للتعاون الثنائي بين البلدين.

“منظمة جولن”

صحيفة “ذي إيست أفريكان” الكينية، أفادت بأن محادثات أردوغان ستتطرّق إلى منظمة الداعية التركي المعارض فتح الله جولن، التي تعتبرها تركيا جماعة إرهابية، علماً بأنها تتهم جولن، المقيم في الولايات المتحدة، بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها في عام 2016. وأفاد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (مقره واشنطن) بأن أردوغان نجح في التفاوض مع 29 دولة إفريقية لإغلاق كل المدارس التابعة لجولن على أراضيها.

تجدر الإشارة إلى أنه بعد جولة أردوغان، ستستضيف إسطنبول “المنتدى الاقتصادي والتجاري التركي الإفريقي” الثالث، بين 21 و23 أكتوبر، و”قمة الشراكة التركية الإفريقية” الثالثة، في 18 ديسمبر المقبل.
وأشارت الصحيفة الأسبوعية الكينية إلى “هجوم” تركي في إفريقيا، أدى إلى زيادة عدد سفارات أنقرة في القارة إلى 43، من أصل 12 في عام 2002. وتفيد بيانات تركية بارتفاع التبادل التجاري مع إفريقيا إلى 26 مليار دولار، بعدما كان عند مستوى 5.5 مليار في عام 2003.
وأفاد موقع “أفريكا نيوز” بأن شركة الخطوط الجوية التركية باتت تسيّر رحلات إلى 53 وجهة في القارة، في عام 2021، في مقابل 18 وجهة قبل عقد. وأضاف أن المصالح التركية في إفريقيا تشمل التجارة والاستثمارات والثقافة والأمن والتعاون العسكري.

تغلغل مؤسساتي

وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، اعتبر أن نهج بلاده إزاء إفريقيا يستند إلى مبدأ “الحلول الإفريقية لمشكلات إفريقيا”. وتطرّق إلى الخلافات بين إثيوبيا والسودان، والوضع في الصومال، وخطر الإرهاب في منطقة الساحل، قائلاً: “نقدّم أفضل دعم لتسوية كل هذه الملفات ولكي تنجح الدول الإفريقية في معركتها ضد الإرهاب”.
من جهتها، ذكرت مجلة “نيكاي” الاقتصادية اليابانية أن أنقرة تستهدف “اختراق إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، مستعينة بالسفارات التي فُتحت حديثاً، وبمستشارين تجاريين ورحلات مباشرة”. وأضافت أن وزارة التجارة التركية تفيد بأن مقاولين أتراكاً نفذوا، بحلول يونيو الماضي، 1666 مشروعاً في 43 دولة إفريقية، قيمتها 76 مليار دولار منذ عام 1972.
وتتغلغل مؤسسات تركية كثيرة في القارة، بما في ذلك “وكالة التعاون والتنسيق التركية” و”مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية في تركيا” و”مدارس مؤسّسة المعارف” والهلال الأحمر، إضافة إلى منظمات غير حكومية، علماً بأن أردوغان زار 28 دولة إفريقية، في إطار 38 رحلة، خلال تولّيه منصبَي رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية، منذ عام 2003، ما يجعله الزعيم العالمي الأكثر زيارة للقارة.
لكن العلاقات بين الجانبين لا تقتصر على التجارة، إذ تحاول شركات دفاعية التركية بشكل متزايد توسيع حضورها في إفريقيا. ووَرَدَ في تقرير أعدته الأمم المتحدة بشأن مبيعات الأسلحة في القارة، أن “صناعة الدفاع التركية صدّرت 40 ناقلة جند مدرّعة إلى بوركينا فاسو في عام 2018، و20 إلى تشاد، وثلاث إلى غانا، وست إلى موريتانيا و25 إلى السنغال”. كذلك صدّرت أنقرة بنادق هجومية ومسدسات إلى دول إفريقية.

“دولة أفرو-أوراسية”

وأفاد موقع “دويتشه فيله” بأن أنقرة عزّزت تدريجياً علاقاتها السياسية والاقتصادية مع دول القارة، في السنوات الـ 15 الماضية، وبات انخراطها أكثر وضوحاً في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، لا سيما في شرق إفريقيا.
وأضاف أن تركيا بدأت أخيراً بتعريف نفسها بوصفها “دولة أفرو-أوراسية”، بدلاً من “دولة أوراسية”، لافتاً إلى أنها تمارس نفوذها في القارة بأسلوب متعدّد الأوجه، من خلال الانخراط في التجارة والتعاون العسكري والتعليم والدبلوماسية والبنية التحتية والمجتمع المدني والعلاقات السياسية مع الدول الإفريقية.
وأشار الموقع إلى أن أضخم قاعدة عسكرية خارجية لأنقرة تقع في الصومال، حيث تدرّب القوات التركية جنوداً صوماليين. وأضاف أن “وكالة التعاون والتنسيق التركية” أعلنت أن الصومال كان من البلدان الأكثر استفادة من المساعدات التركية، في عام 2019، إضافة إلى السودان والنيجر وجيبوتي وتشاد وغينيا.

وفي عام 2011، قام أردوغان، الذي كان آنذاك رئيساً للوزراء، بزيارة للصومال، اعتُبرت الأولى لزعيم غير إفريقي منذ عقدين. وذكرت وكالة الأناضول الرسمية التركية للأنباء بأن أنقرة أنفقت، منذ عام 2011، أكثر من مليار دولار على مساعدات والبنية التحتية في الصومال.

“تركة الاستعمار”

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال خلال لقائه نظيره السنغالي ماكي سال في عام 2020: “إننا نرى في شعب إفريقيا شقيقاً لنا، ونشترك معه في مصير مشترك. ونحن نتعامل مع ألمه ليس من خلال أهداف سياسية واستراتيجية قائمة على المصالح، ولكن بطريقة إنسانية وضمير حيّ”.

واعتبر علي بيلجيك، وهو باحث في السياسة الخارجية التركية بجامعة لوبورو في المملكة المتحدة، أن “تركيا ليس لديها تاريخ استعماري سلبي، والطريقة التي تقدّم بها نفسها هي خيرية”.
في السياق ذاته، شددت السفيرة التركية السابقة في جنوب إفريقيا، إليف كوم أوغلو أولجن، على أن بلادها هي دولة “من دون أيّ أعباء استعمارية”، معتبرة أن “الخلفية الاستعمارية ما زالت تطارد شعوب إفريقيا”، بحسب “دويتشه فيله”.

“بديل للاستعمار”

ورأى فيديريكو دونيلي، وهو خبير في نشاط أنقرة بالقرن الإفريقي وباحث في “جامعة جنوى” الإيطالية، أن تركيا قدّمت نفسها بوصفها البديل الأخوي والخيّر للقوى الأوروبية التي استعمرت القارة سابقاً. وقال لصحيفة “كريستشان ساينس مونيتور” الأميركية: “على الرغم من أن لدى الإمبراطورية العثمانية علاقات واتصالات كثيرة في إفريقيا، لا يمكننا اعتبار تلك الفترة استعمارية… لدى كل الدول الغربية ماضٍ استعماري”.
وأضاف: “لا يمكن المبالغة في تقدير المقدرة الحقيقية لتركيا. على الرغم من أن بعض صنّاع السياسة الأتراك وخطاباتهم، يريدون تقديم تركيا بوصفها شكلاً من القوة المنافسة للصين أو فرنسا في القارة الإفريقية، لا أعتقد ذلك”.
ولفت دونيلي إلى أن “الانفتاح التركي على إفريقيا هو جزء من إطار عمل أوسع، يستهدف بناء دور تركيا بوصفها لاعباً عالمياً”، مضيفاً: “تسعى تركيا في إفريقيا إلى تحقيق مكاسب مادية وشعبية، ولكن لديها أيضاً أسباب للتنافس الإقليمي مع دول خليجية”.
وكان الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، اتهم أنقرة قبل سنة بتأجيج مشاعر معادية للفرنسيين في إفريقيا، من خلال اللعب على “استياء ما بعد الاستعمار”. وأدرج جاويش أوغلو تصريحات ماكرون في إطار “غطرسة” متجذرة في “ردود الفعل الاستعمارية” القديمة، فيما اعتبر عمر جيليك، الناطق باسم حزب “العدالة والتنمية” الحاكم في تركيا، أن ماكرون “يواصل الاستعمار”، فيما أن أنقرة “تواصل الدفاع عن مصالح الشعب المضطهد وإحباط ألاعيب المستعمرين”.

“صوت الشعب المضطهد”

مجلة “نيكاي” اعتبرت أن أردوغان استخدم كل وسيلة ممكنة، من أجل التواصل مع الدول الإفريقية. ففي تلك المسلمة، شيّدت تركيا مساجد. وفي شمال إفريقيا، استخدم الرئيس التركي العامل العثماني، في حديثه عن العلاقات التاريخية. وفي البلدان المستاءة من قوى استعمارية قديمة استغلّت النفط والمعادن، يقدّم أردوغان نفسه بوصفه “صوت الشعب المضطهد”.
ونقلت المجلة عن جاويش أوغلو قوله: “لدى إفريقيا السكان الأصغر سناً، وأسرع معدل للتوسّع الحضري وأكثر الاقتصادات دينامية في العالم. تواجه القارة تحديات كبرى، ولكنها أيضاً تحظى بفرص ضخمة”. وتابع: “عندما ننظر إلى إفريقيا، لا نرى مناجم ذهب أو حقول نفط. نحن لا نتنافس مع أحد. يمكننا العمل مع أيّ دولة، بما في ذلك الصين”، الأبرز حضوراً في القارة.
في عام 2005، نالت تركيا صفة مراقب في الاتحاد الإفريقي، ثم أصبحت “شريكاً استراتيجياً” له، بعد ذلك بثلاث سنوات. وذكرت “كريستشان ساينس مونيتور” أن السياسة الخارجية التركية كانت تركّز على محاولة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، حتى مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ولكن مع انحسار هذا الهدف، تحوّلت مصالح أنقرة، بما في ذلك في اتجاه إفريقيا. وفي عام 2005، أعلنت تركيا “عام إفريقيا”، في إطار “خطة العمل لإفريقيا”، المعتمدة في عام 1998.
واعتبر الرئيس السابق للجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة، كارلوس لوبيز، أن “البصمة التركية في إفريقيا باتت أكبر من غالبية الدول الأوروبية خلال فترة زمنية وجيزة جداً”.
لكن أليكس فاينز، مدير برنامج إفريقيا في “معهد تشاتام هاوس” (مقره لندن)، رأى أن أحد الأهداف الدبلوماسية لتركيا يتمثّل في استئصال شبكات جولن في إفريقيا. وأضاف: “تحاول تركيا المنافسة، من خلال تأمين الاتصال وتسهيل الوصول إلى تركيا لتنمية الأعمال والروابط. (ولكن) هناك بعض الدعاية وأعلن الاتحاد الإفريقي أن تركيا لم تفِ بكل ما وعدت به. في بعض الأماكن، ثمة انخراط ضئيل خارج السفارة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى