اقتصاد

تكنولوجيا مريبة تغزو أماكن العمل في أوروبا

سمانيوز / اقتصاد

في كل مرة يقترب فيها أحد عمَّال شركة “تاتا للحديد” في بريطانيا من محيط شخص، بما قد يسمح بإصابته بفيروس كورونا، يُصدِر سوار “Romware Covid Radius” صوتَ تنبيه.

كذلك الحال بالنسبة إلى أيِّ عامل في رصيف ميناء “أنتويرب” البلجيكي، أو حتى في مواقع إنشاء شركة Bouygues، ومكاتب “Sanofi”، وشركة “Schneider Electric” في فرنسا، إذ يدخل الموظفون أماكن عملهم بعد مرورهم بكاميرات حرارية تقيس درجات حرارتهم.

كما تعمل أشعة الليزر غير المرئية على إدارة الحشود في مراكز التسوق، ومراكز النقل في كلٍّ من إسبانيا وفرنسا، تنوي بعض الشركات فرض الأساور الإلكترونية على موظفيها لتتبُّع العدوى.

 

تقنيات وأنظمة

 

ويواجه الأوروبيون مع عودتهم إلى العمل، عالماً مختلفاً تماماً عن الذي تركوه، فأماكن العمل المختلفة في أوروبا، من البنوك والمكاتب، إلى مستودعات التجارة الإلكترونية، والمصانع، والنوادي الرياضية، والمطارات، كلها بدأت في اختبار أو تطبيق التقنيات المختلفة للإسهام في الحدِّ من انتشار الفيروس، سواء كانت هذه التقنيات كاميرات حرارية للكشف عن ارتفاع حرارة الجسم، أو أنظمة للكشف عن الكمامات، أو برامج للتتبُّع.

وتأتي هذه الخطوات في إطار مساعي الشركات الأوروبية لمنع انتشار عدوى الفيروس الذي أودى بحياة أكثر من 167 ألف شخص في القارة مجدداً بعد العودة من الإغلاقات.

ويبدو أنَّ فيروس كورونا فتح الأبواب على مصاريعها أمام تقنيات وأنظمة الرقابة المختلفة، التي يرى كثيرون أنَّها ستبقى. وفي حين كانت هذه الأنظمة تتسلل سابقاً لتُراقِب الناس في جميع أنحاء العالم، لا سيَّما في آسيا، إذ يُطبَّق نظام التعرف على الوجوه في الصين، وبرامج تتبُّع العدوى المنتشرة في كوريا الجنوبية، فإنَّ هذا التوجُّه يتعارض بشدَّة مع ثقافة الخصوصية التي يكثر التباهي بها في أوروبا.

ومن المحتمل أن يجد الأوروبيون أنفسهم يقايضون الخصوصية بالأمان، وعلى المدى البعيد تقبع بانتظارهم عواقب قد لا تكون مقبولة.

 

تدمير الثقة

 

وتقول إيلا جاكوبوسكا، الباحثة في منظمة الحقوق الرقمية الأوروبية “Edri”: “يمكن أن يؤدي استخدام البنى التحتية للمراقبة الجماعية إلى تطبيع هذه الأدوات شديدة التطفل، وسيؤدي التطبيق المتسرِّع للأنظمة، والأجهزة، والكاميرات على المدى الطويل إلى تدمير الثقة بين أصحاب العمل والموظفين”.

من ناحية أخرى، تحاول الأعمال التجارية الموازنة بين الحفاظ على سلامة الأشخاص و حماية خصوصيتهم، وذلك لأنَّ عدم وجود إرشادات واضحة من جانب الهيئات التنظيمية الأوروبية يجبر الشركات، التي يمكن أن تصبح أيضاً في مأزق إذا لم توفِّر الحماية الكافية للعاملين، على اتخاذ “قرارات صعبة للغاية”، بحسب ما قاله دانييل كوبر، الشريك في “Covingtonand Burling” للمحاماة، والمسؤول عن تقديم المشورة للعملاء بشأن قوانين التكنولوجيا.

ويضيف كوبر: “يزداد الحديث عن الشركات التي تجمع هذه المعلومات نظراً إلى حساسيتها. ولتحقيق التوازن بين الحماية والخصوصية وعدم خرق القانون، يجدر بهذه الجهات مراعاة حق خصوصية الأفراد الذين يجمعون بياناتهم”.

ويعتزم نحو 23% من الشركات على مستوى العالم تطبيق تقنيات تتبُّع الأفراد في أماكن العمل أو خارجها لتحديد إمكانية نقل العدوى إلى مقرَّات العمل، وفقاً لدراسة نُشرت في مايو 2020 من قِبل شركة الضرائب والاستشارات “PricewaterhouseCoopers”، التي تختبر حالياً أداة تتبُّع الاتصالات الخاصة بها في مكتبها في شنغهاي.

 

عودة آمنة

 

مِن جهتهم، يقول مُقدِّمو هذه التقنيات، إنَّها توفر طريقة آمنة لإعادة الناس إلى العمل وإنعاش الاقتصادات التي سحقها الإغلاق. وفي حين يقر كثيرون أنَّ نتائج أنظمة المراقبة غير مضمونة، فإنَّ بإمكانها الحدّ من مخاطر العدوى بحسب قولهم.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة “Rombit” البلجيكية جون باكيلمانز: “إنَّ الأساور التي ننتجها تساعد بالحفاظ على سلامة العاملين وتحسين أدائهم”، وتتوقَّع شركة “Rombit” التي أضافت في يونيو ميزة جديدة إلى أساورها تسمح لأطباء ميناء “أنتويرب” بمتابعة الانتشار المحتمل للفيروس أن تبقى منتجاتها رائجة بين أصحاب العمل حتى بعد انحسار الفيروس، إذ تستفيد هذه الشركات من أساور “Rombit” لتتبُّع صحة موظفيها وأدائهم. وبحسب الشركة البلجيكية، فإنَّها ستورِّد هذه الأجهزة إلى 300 شركة في الأسابيع المقبلة.

وعلى خُطى “Rombit”، تبيع شركة “Estimote”، من مقرِّها بمدينة كراكوف في بولندا، أجهزة مراقبة التباعد الاجتماعي للمصانع، ومراكز الأبحاث والمستشفيات، وتُتيح هذه الأجهزة أيضاً تتبُّع أيّ موظَّف مصاب لمعرفة تحرُّكاته، وبناءً عليه تحديد الأشخاص الذين قابلهم ومن المحتمل تعرُّضهم للعدوى.

وتُصدِر أجهزة “Estimote” للتباعد الاجتماعي رنيناً لتنبيه الموظفين في حال وجودهم لوقت طويل بقرب بعضهم من بعض. ويمكن للموظَّفين الذين تظهر عليهم الأعراض أو يظهرون نتائج إيجابية للإصابة بالفيروس -من خلال الضغط على زر في الجهاز- أن يخطروا الشركة، ما يسمح لها بتتبُّع كل الأشخاص الذين كانوا في محيطهم.

 

تقنيات متطورة

 

ويقول الرئيس التنفيذي لشركة “Estimote”، ياكوب كرزيتش: “نحن مبرمجون كبشر لاقتراب بعضنا من بعض”، مضيفاً أنَّ الأجهزة التي تبيعها شركته تنبِّه المستخدم إلى هذه العادات بهدف السيطرة على انتشار الفيروس.

وتعمل شركة “Herta Security” في برشلونة على تطوير تقنية للكشف عن الكمامات، وأُخرى للتعرف على الوجه، بما يتيح للموظَّفين الدخول إلى أماكن عملهم دون أيّ تلامُس.

كما تعمل الشركة حالياً لتوفير هذه التقنيات لإحدى كُبرى الشركات العالمية العاملة في قطاع البيع بالتجزئة، إذ تنوي استخدامها في مكاتبها في أوروبا وأميركا اللاتينية، وفقاً لما ذكرته لورا بلانك بيدريجال، كبيرة مسؤولي التسويق في “Herta Security”.

وتستخدم إسبانيا وفرنسا وإسرائيل والولايات المتحدة، تقنية الليزر من شركة “Outsight” الفرنسية لضمان التباعد الاجتماعي، لتُطبَّق في مراكز التسوُّق ومراكز النقل الرئيسية، وفقاً لما صرح به الرئيس والمؤسس المشارك للشركة، راؤول برافو.

كذلك تختبر حالياً شركة “مطارات باريس” المسؤولة عن إدارة مطارات العاصمة الفرنسية، تقنية الليزر من شركة “Outsight” لمراقبة تدفق الركاب في المطارات. وأما ما يخصُّ بالكاميرات الحرارية التي أصبحت تنتشر في كل مكان.

تشغل جامعة “كاميلو خوسيه سيلا” في مدريد نظام كاميرات صيني يقيس درجات حرارة الطلاب، الذي يتحقَّق في الوقت نفسه من ارتدائهم للكمامات. كما تُختبر الكاميرات الحرارية في عدد من المطارات، منها هيثرو في لندن، ومطار شارل ديغول في باريس.

 

طلب مرتفع

 

وقال الرئيس التنفيذي لشركة “Dermalog” الألمانية لأنظمة تحديد الهوية جوينثر مول: “نبيع مزيداً من الكاميرات كل أسبوع، الطلب مرتفع جداً حالياً” وتوفر الشركة تقنية كشف الكمامات كميزة إضافية لبرنامجها التشغيلي.

هذه المتغيرات باتت تُقلِق المدافعين عن الخصوصية، إذ يقول روب فان إيجك، العضو المنتدب لأوروبا في “منتدى مستقبل الخصوصية”، المؤسَّسة الفكرية غير الربحية، إنَّ الكاميرات الحرارية يمكن أن نعدَّها انتهاكاً للخصوصية. ويضيف: “من شأن هذه التقنيات إجبار الأفراد الذين ترتفع درجة حرارتهم نسبياً على الكشف أو الإفصاح -على الأرجح- دون إرادتهم عن معلوماتهم الصحية الشخصية التي قد لا تكون مرتبطة بفيروس كورونا، أو بأيٍّ من التهابات الجهاز التنفسي الفيروسية”.

وفي أوروبا، يمكن أن يؤدي خرق الشركات لقوانين حماية البيانات إلى تحمُّلها غرامة تصل إلى 4% من قيمة الإيرادات السنوية العالمية لها. وتبعاً لذلك ليس من المتوقَّع أن تربط الشركات قراءة درجات الحرارة بالأسماء، ولا أن تخزِّن معلوماتهم.

وعلى الرغم من ذلك، فلن يكون من الصعب تتبُّع قراءات درجات الحرارة المرتفعة للوصول إلى الشخص المصاب. بحسب ما يقول “كوبر” من شركة “Covington and Burling”.

 

الممثلة الكورية الجنوبية أوه نا را تمشي عبر نظام الكاميرا الحرارية للتحقق من درجة حرارة الجسم عند وصولها على السجادة الحمراء للحفل السنوي الـ 56 لجوائز Daejong السينمائية في سيول في 3 يونيو 2020 – AFP

 

وفي الوقت الحاليّ تُجرى الفحوصات بسرعة، فعلى سبيل المثال، فإنَّ نادي كرة القدم الألماني “Bayer 04 Leverkusen”، الذي استثمر في خمس كاميرات حرارية “Dermalog”، كان جاهزاً للعودة إلى اللعب حينما أصبح دوري “Bundesliga” أول دوري كرة قدم كبير يُستأنف في شهر مايو 2020. وكان النادي جاهزاً للمباريات نظراً لكونه قد فحص لاعبيه في أثناء حضورهم للتدريبات.

وفي أواخر أبريل، وفي حين كان معظم الألمان في منازلهم، كان لاعب كرة القدم المحترف ليون بيلي يقف عند مدخل مرافق التدريب بالنادي لقياس درجة حرارته، وقد ركَّزت الكاميرا على جبهته لقراءة درجة حرارة 37 درجة مئوية. ولأنَّه لم يكن يعاني من ارتفاع في درجة حرارته، فقد مَرَّ عبر بوابات الملعب، وانضمَّ إلى زملائه في الفريق للتدريب.

ويقول الدكتور كارل هاينريش ديتمار، المدير الطبي لنادى “Bayer Leverkusen”، في مقابلة: “هُم يتفهَّمون أنَّ ذلك من أجل سلامتهم، ولا يريد أحد أن يمرض”.

*هذه المادة من اقتصاد الشرق مع بلومبرغ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى