كيف ترسم التوترات الجيوسياسية مسارات النفط والذهب والدولار؟

سمانيوز/ متابعات /عماد الدين إبراهيم
تشهد الأسواق المالية العالمية حالة من الاستقطاب الحاد والترقب، مدفوعة بملفات جيوسياسية معقدة تتصدرها أزمة الملاحة في مضيق هرمز ومسار المفاوضات الأمريكية – الإيرانية. وفي ظل هذه الأجواء، تبلورت علاقة طردية وعكسية متشابكة بين أقطاب الاقتصاد الثلاثة: النفط الذي يشتعل بفعل مخاوف الإمدادات، والذهب الذي يطير إلى مستويات قياسية كملاذ آمن تاريخي، والدولار الذي يتحرك كحلقة وصل تقيس مدى شهية المخاطر لدى المستثمرين.
سجلت أسواق المعادن الثمينة قفزة تاريخية غير مسبوقة، حيث زحف الذهب الفوري ليتداول عند مستويات 4450.16 دولاراً للأوقية، في حين لامست العقود الأمريكية الآجلة لتسليم أغسطس حاجز 4477.00 دولاراً. هذا الصعود الصاروخي يعكس رغبة المؤسسات الصارمة في التحوط ضد التضخم العالمي الناجم عن فواتير الطاقة. بحسب «بلومبيرغ»
في المقابل، شهدت أسعار النفط تراجعاً طفيفاً وجني أرباح مؤقت بعد موجة صعود عنيفة، ليستقر خام برنت عند 97.14 دولاراً للبرميل، وخام غرب تكساس الوسيط (WTI) عند 95.40 دولاراً. هذا التراجع الطفيف لا يعني انتهاء الأزمة، بل هو استراحة محارب فرضتها الضغوط الفنية ومبيعات التصفية، بينما تظل الأرضية الأساسية للسوق مهيأة للانفجار فوق حاجز الـ 100 دولار بمجرد حدوث أي خلل في المعروض.
تتحرك الأسواق الحالية وفق آلية تشابك دقيقة؛ فالتوترات الجيوسياسية والتهديدات المحيطة بممرات الطاقة الحيوية ترفع تلقائياً من «علاوة المخاطر» على أسعار النفط. ومع اقتراب النفط من عتبة الـ 100 دولار، تتزايد المخاوف من موجة تضخم عالمية جديدة قد تجبر البنوك المركزية على مراجعة سياساتها النقدية.
هذا التهديد التضخمي أضعف مؤشر الدولار الأمريكي (DXY) نسبياً أمام العملات الرئيسية الأخرى، مما جعل الذهب المُسعَّر بالدولار أرخص وأكثر جاذبية للمستثمرين الدوليين. لأن الخوف من اشتعال النفط يضعف الدولار، وضعف الدولار إلى جانب القلق السياسي يمنحان الذهب الوقود الكافي للتحليق نحو قمم غير مسبوقة باعتباره المخزن الحقيقي الوحيد للقيمة في أوقات الأزمات الكبرى.
تتجه أنظار المحللين نحو مضيق هرمز، الذي يعبر منه نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط، حيث تترقب الأسواق بروتوكولات حظر الملاحة المفروضة جزئياً وسط محاولات دولية لاحتواء الموقف. وتتأرجح التوقعات بين مسارين:«السيناريو المتفائل (الدبلوماسي) نجاح مفاوضات الهدنة الأمريكية-الإيرانية الجارية، مما سيؤدي إلى رفع حظر الملاحة تدريجياً، وضخ مزيد من الإمدادات في السوق. هذا السيناريو سيهبط بالنفط سريعاً نحو مستويات 85 دولاراً، ويخفف الضغط التضخمي، مما قد يدفع الذهب للتراجع وجني الأرباح.
السيناريو المتشائم (التصعيدي): فشل المفاوضات ودخول بروتوكولات الحظر حيز التنفيذ الكامل، وهو ما يهدد بوقف شحنات النفط الخليجي. في هذه الحالة، يتوقع الخبراء قفزة فورية لأسعار النفط لتتجاوز 120 دولاراً للبرميل، مما سيدفع بالذهب لكسر حاجز 5000 دولار للأوقية سريعا، ليدخل الاقتصاد العالمي في حالة «ركود تضخمي» قاسية تفرض على الدولار مساراً متذبذباً بين قوة الملاذ الآمن وضعف القوة الشرائية.كيف ترسم التوترات الجيوسياسية مسارات النفط والذهب والدولار؟
