مساعدك الشخصي أصبح ذكياً.. لكن هل يستحق فاتورة شهرية؟

سمانيوز /متابعات /محمد عبد الرشيد
دخلت سوق المساعدين الشخصيين المدعومين بالذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة من المنافسة، مع إطلاق شركة «OpenAI» مساعدها الجديد «Dots»، بعد أسابيع قليلة من إطلاق «Meta» مساعدها «Muse»، في وقت تتحرك فيه «Google» و«Apple» أيضاً لتعزيز حضورها في سوق يتجه إلى تحويل الذكاء الاصطناعي من أداة للإجابة عن الأسئلة إلى وكيل قادر على تنفيذ المهام نيابة عن المستخدم.
وتكشف التحركات المتزامنة للشركات الكبرى عن تحول مهم في اقتصاد الذكاء الاصطناعي؛ فالمنافسة لم تعد تتركز فقط على تطوير النموذج الأكثر قدرة، وإنما على بناء مساعد شخصي يصبح جزءاً من الحياة اليومية للمستخدم، ويتولى مهام مثل حجز الرحلات، وإدارة البريد الإلكتروني، ودفع الفواتير، وتنظيم الأعمال والتعامل مع تطبيقات العمل.
وأعلنت «OpenAI» عن «Dots» خلال مؤتمرها السنوي للمطورين «DevDay» في سان فرانسيسكو، وقدمته باعتباره مساعداً «متصلاً دائماً» يمكنه التعامل مع مجموعة واسعة من المهام. ويهدف النظام إلى تبسيط استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل، بما في ذلك التعامل مع أدوات مثل «Slack» و«Microsoft Teams».
ويأتي الإطلاق بعد فترة وجيزة من طرح «Meta» لمساعد «Muse»، الذي حظي باهتمام واسع منذ إطلاقه في وقت سابق من سبتمبر. وارتفع سهم «Meta» بنحو 29 % خلال سبتمبر، وفق المادة، مع تنامي تفاؤل المستثمرين بشأن إمكانات المساعدين الشخصيين في سوق الذكاء الاصطناعي.
ولا تقتصر المنافسة على «OpenAI» و«Meta». فـ«Google» تقدم «Gemini Spark» بوصفه وكيلاً شخصياً متاحاً على مدار الساعة، بينما تعمل «Apple» على إعادة تصميم «Siri» ليصبح مساعداً شخصياً أكثر قدرة. وفي الوقت نفسه، تتقدم شركات ناشئة في هذا المجال، من بينها «Instinct»، التي أعلنت جمع مليار دولار في جولة تمويلية عند تقييم بلغ 10 مليارات دولار، فيما تسعى شركات أخرى إلى اقتناص حصة من السوق الناشئة.
من التجربة المجانية إلى نموذج الاشتراك
وراء السباق التقني سؤال اقتصادي أكثر تعقيداً: هل سيدفع المستخدمون مقابل هذه الخدمات؟
تقدم «Meta» خدمة «Muse» مجاناً ضمن حدود استخدام معينة، مع إمكانية الاشتراك مقابل 20 دولاراً شهرياً. أما «Dots» من «OpenAI» فيبدأ الوصول إليه ضمن باقة «Pro» التي تبلغ 100 دولار شهرياً، ما يضع اختباراً مبكراً لمدى استعداد المستهلكين لدفع مبالغ كبيرة مقابل مساعد قادر على تنفيذ مهام فعلية بدلاً من مجرد تقديم إجابات.
وتكمن الصعوبة في أن عدد التنزيلات لا يعكس بالضرورة حجم الاستخدام الفعلي أو استعداد المستخدم للدفع. فقد يجرب ملايين الأشخاص المساعد الجديد بدافع الفضول، لكن تحويل التجربة إلى عادة يومية يتطلب أن يقدم النظام قيمة مستمرة وملموسة تتجاوز ما توفره الأدوات التقليدية.
وهنا تظهر معادلة اقتصادية جديدة: المساعد الشخصي يحتاج إلى أن يكون مفيداً بما يكفي ليصبح عادة، ومتصلاً بما يكفي ليصعب الاستغناء عنه، وآمناً بما يكفي ليحصل على صلاحيات واسعة لتنفيذ المهام.
معركة على وقت المستخدم وبياناته
تكتسب هذه السوق أهمية إضافية لأن المساعد الشخصي قد يصبح الواجهة الرئيسية التي يتفاعل من خلالها المستخدم مع الخدمات الرقمية. فبدلاً من فتح عشرات التطبيقات للبحث والحجز والمراسلة وتنظيم الأعمال، يمكن للمستخدم إعطاء المساعد هدفاً واحداً وتركه ينفذ سلسلة من الخطوات.
وهذا التحول يمكن أن يعيد توزيع القيمة داخل الاقتصاد الرقمي. فإذا أصبح المساعد هو نقطة الاتصال الأساسية بين المستخدم والخدمات، فإن الشركات التي تمتلك هذا المساعد قد تملك أيضاً موقعاً مهماً في سلسلة القيمة الرقمية، بدءاً من البحث واكتشاف المنتجات وصولاً إلى تنفيذ المعاملات.
لكن اتساع صلاحيات هذه الأنظمة يرفع في المقابل أهمية قضايا الخصوصية والأمان والرقابة البشرية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالبريد الإلكتروني والمدفوعات والبيانات الشخصية وحسابات العمل.
السباق بدأ
ويرى محللون أن السوق دخلت بالفعل مرحلة سباق لتحديد النموذج الذي يستطيع تحقيق انتشار واسع واستعمال متكرر. وتزداد أهمية سهولة الاستخدام والتكامل مع التطبيقات والخدمات الأخرى، إلى جانب قدرة المساعد على تقديم نتائج موثوقة، وليس مجرد امتلاك نموذج ذكاء اصطناعي قوي.
ويعكس دخول «OpenAI» و«Meta» و«Google» و«Apple» في توقيت متقارب إلى حد كبير تحولاً في طبيعة المنافسة داخل القطاع. فبعد سنوات من التركيز على تطوير النماذج الأساسية، تنتقل الشركات الآن إلى معركة جديدة تتمحور حول من يستطيع أن يصبح المساعد الشخصي الافتراضي للمستخدم.
وفي هذا السوق، قد لا يكون امتلاك التكنولوجيا المتقدمة وحده كافياً. فالاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الشركات على تحويل المساعد من منتج يثير الفضول عند إطلاقه إلى خدمة يستخدمها المستهلك بصورة متكررة، ويجد لها قيمة واضحة تبرر دفع الاشتراك الشهري.
وبينما تتسارع الاستثمارات وتدخل شركات جديدة بمليارات الدولارات، يبقى السؤال الأكثر أهمية بالنسبة إلى اقتصاد المساعدين الشخصيين: هل ستتحول هذه التكنولوجيا إلى خدمة جماهيرية يدفع المستهلك مقابلها، أم ستظل معظم الاستخدامات ضمن نماذج مجانية تستخدمها الشركات لجذب المستخدمين وبناء قواعد بيانات وعادات رقمية جديدة؟
الإجابة ستتحدد مع انتقال الوكلاء من مرحلة الاستعراض التقني إلى مرحلة الاعتماد اليومي والمعاملات الفعلية، وهي المرحلة التي يمكن أن تحدد شكل سوق الذكاء الاصطناعي الاستهلاكي خلال السنوات المقبلة.
