طب و صحة

هل يتحول فيروس «هانتا» إلى كابوس جديد للملاحة العالمية؟

سمانيوز /متابعات /عماد الدين إبراهيم

 

أعادت الوفيات الغامضة التي سُجلت مؤخراً على متن سفينة سياحية كانت تبحر بين الأرجنتين والرأس الأخضر شبح الأزمات الصحية الكبرى إلى واجهة الأحداث العالمية. ورغم تطمينات منظمة الصحة العالمية بشأن انخفاض مستوى الخطر العام، إلا أن تأكيد وجود إصابة بفيروس «هانتا» القاتل أثار موجة من القلق في الأوساط الطبية الدولية حول سلامة الرحلات البحرية الطويلة. وتكمن الخطورة الاستثنائية في كون هذا الفيروس، الذي ينتقل عادة عبر القوارض، قد أظهر قدرة على التسلل إلى بيئات مغلقة ومعقمة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات علمية ملحة حول احتمالات تطور طرق انتقاله وسرعة انتشاره بين الركاب في عرض البحر.

هذا التفشي المشتبه به لم يكن مجرد حادث صحي عابر، بل أثار تساؤلات علمية معقدة حول سبل انتقال هذا الفيروس، الذي عُرف تاريخياً بارتباطه بالقوارض، ومدى احتمالية تحوره لينتقل بين البشر، وهو الاحتمال الذي إذا ثبتت صحته، قد يضع العالم أمام تحدٍّ وبائي من نوع جديد.

بدأت القصة حينما أبلغت الطواقم الطبية على السفينة السياحية عن تدهور صحي مفاجئ لعدد من الركاب، انتهى بوفاة ثلاثة منهم. وبحسب تقارير منظمة الصحة العالمية، فإن التشخيص الأولي يشير بقوة إلى فيروس «هانتا»، وهو فيروس ينتشر عادة عبر الاتصال المباشر مع فضلات القوارض أو استنشاق الغبار الملوث بإفرازاتها.

وتكمن خطورة الموقف الحالي في بيئة السفينة المغلقة؛ حيث صرحت فيرجيني سوفاج، رئيسة المركز الوطني الفرنسي المرجعي لفيروسات هانتا، بأن تحديد السلالة الدقيقة للفيروس هو المفتاح لفهم كيفية وصوله إلى الركاب. فهل كانت هناك قوارض مصابة على متن السفينة، أم أننا بصدد سلالة نادرة قادرة على الانتقال التنفسي بين الركاب؟ الإجابة عن هذا السؤال ستقرر مصير بروتوكولات السفر البحري للأشهر القادمة.

فيروسات هانتا ليست وافداً جديداً على العلم، فهي تنتشر في مناطق واسعة من العالم، وتسجل دول مثل الصين وروسيا وكوريا الجنوبية آلاف الحالات سنوياً، بينما تكتفي دول مثل فرنسا وفنلندا ببضع مئات. ومع ذلك، يقسم العلماء هذا الفيروس إلى فئتين متمايزتين في الخطورة: «فيروسات العالم القديم (أوروبا وآسيا وأفريقيا): تُعد أقل فتكاً نسبياً، حيث تصل نسبة الوفيات فيها إلى 14%، وغالباً ما تسبب مشاكل في الكلى قد تصل إلى الفشل الكلوي الحاد. فيروسات العالم الجديد (الأمريكتين): وهي الأشد خطورة، حيث تتجاوز نسبة الفتك فيها 40%. وتهاجم هذه السلالات الرئتين مباشرة وبسرعة فائقة، مسببة ضيقاً حاداً في التنفس وفشلاً قلبياً، وهو ما يبدو متطابقاً مع الحالات المسجلة مؤخراً في الرحلة القادمة من الأرجنتين.

تظهر الأعراض في البداية بشكل مخادع، حيث تشبه الإنفلونزا العادية من آلام في الجسم واضطراب في المعدة وسعال خفيف، لكنها سرعان ما تتطور لدى الفئات الهشة مثل كبار السن وذوي المناعة الضعيفة إلى حالة طبية طارئة تتطلب العناية المركزة.

التحدي الأكبر الذي يواجه الأطباء اليوم هو عدم وجود علاج سحري أو دواء محدد لفيروس هانتا. فالمنهج المتبع حالياً يعتمد كلياً على إدارة الأعراض ودعم الوظائف الحيوية للجسم. وبحسب الخبراء، فإن الاكتشاف المبكر هو الفارق الوحيد بين الحياة والموت؛ حيث يتطلب المصابون الذين تضررت رئاتهم تدخلاً سريعاً بالعلاج بالأكسجين في وحدات العناية المركزة.

وعلى الرغم من أن الخطر على الجمهور العام لا يزال يُصنف أنه منخفض، إلا أن الدروس المستفادة من تفشي السفينة السياحية تؤكد ضرورة تشديد الرقابة الصحية في قطاعات الزراعة والغابات والسياحة البحرية، حيث يزداد احتمال الاحتكاك بالقوارض. إن لغز هانتا في أعالي البحار يذكرنا مجدداً بأن الطبيعة لا تزال تخبئ الكثير من الأسرار، وأن يقظة الأنظمة الصحية العالمية هي خط الدفاع الأول ضد المجهول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى