علوم

السحابة العطشى.. خوارزميات “تجفف” 399 مليار غالون من مياه تكساس

سمانيوز/ متابعات /رشا عبد المنعم

 

 

خلف بريق “السحابة الرقمية” وتمدد الذكاء الاصطناعي، يختبئ وحش هيدروليكي لا يرتوي؛ إنها “السحابة العطشى” التي لم تعد تكتفي ببياناتنا، بل باتت تجفف الموارد الطبيعية بصمت.

 

فبينما كان سكان ضاحية “أنيليز بارك” في جورجيا يتساءلون عن سر تلاشي ضغط المياه في صنابيرهم، كانت الخوارزميات تبتلع حصصهم خلف أسوار مراكز البيانات. نحن أمام واقع مرير تتبخر فيه مياهنا لري ظمأ خوادم التكنولوجيا، في معركة تضع مستقبل أكبر بحيرات أمريكا في كفة، واستمرار تدفق البيانات في كفة أخرى.

 

في الأسبوع الأول من شهر مايو، تم ضبط اثنين من مشاريع تطوير مراكز البيانات، أحدهما في أريزونا والآخر في جورجيا، وهما يقومان بسحب المياه العامة دون تصريح.

 

وفي كلتا الحالتين، استهلك مطورو مراكز البيانات مياهاً كان يُحظر عليهم أخذها، في مجتمعات تعاني بالفعل من إجهاد مائي، وكان السكان هم من اكتشفوا ذلك في الحالتين. عندما اشتكى السكان من انخفاض ضغط المياه في جورجيا أو جهود مكافحة الغبار في أريزونا، قاموا عن غير قصد بإبلاغ الهيئات التنظيمية في مناطق تعاني من نفاذ إمدادات المياه، مما أضاف إلى صراع متصاعد حول استخدام مراكز البيانات للمياه في جميع أنحاء البلاد.

 

أرقام مرعبة

 

في عام 2023، استهلكت مراكز البيانات الأمريكية بشكل مباشر 17.4 مليار غالون من المياه، وهو رقم من المتوقع أن يرتفع إلى ما بين 38 و73 مليار غالون بحلول عام 2028، وفقاً لوكالة حماية البيئة.

 

وفي تكساس وحدها، قدرت دراسة أجراها مركز هيوستن للأبحاث المتقدمة أن مراكز البيانات ستستخدم 49 مليار غالون في عام 2025 وما يصل إلى 399 مليار غالون بحلول عام 2030.

 

هذا الرقم المهول يعادل خفض منسوب بحيرة ميد، أكبر خزان في البلاد، بأكثر من 16 قدماً في عام واحد. تكساس تعاني بالفعل من أزمة: الخزانات والمياه الجوفية تجف في جميع أنحاء الولاية، وتستعد مدينة كوربوس كريستي لإعلان حالة طوارئ مائية مع خفض الاستخدام بنسبة 25%، بينما تتقاتل المجتمعات على ما تبقى.

 

تعد شكاوى السكان في توسان ومقاطعة فاييت جزءاً من نمط أكبر؛ فقد استهلكت مراكز بيانات جوجل في “ذا داليس” بأوريغون 355 مليون غالون في عام 2021، أي ما يقرب من ربع إجمالي إمدادات المياه في المدينة.

 

وقامت جوجل بتمويل دعوى قضائية للمدينة ضد صحيفة محلية حاولت الحصول على تلك الأرقام، بدعوى أنها “أسرار تجارية”. وبحسب ما ورد، عطل مركز بيانات ميتا في مقاطعة نيوتن بجورجيا الآبار خاصة القريبة، مما ترك العائلات تنقل المياه وتستبدل الأجهزة المسدودة بالرواسب.

 

وفي ساوث كارولينا، حاربت مجموعات الحفاظ على البيئة تصريح جوجل لسحب 1.5 مليون غالون يومياً، بينما في يوتا، أثار مقترح لمركز بيانات مرتبط بنجم “شارك تانك” كيفن أوليري نحو 3,900 احتجاج شعبي حول تحويل مياه الري إلى الاستخدام الصناعي.

 

قرارات الحظر

 

الآن، سنت أكثر من 50 مدينة في جميع أنحاء البلاد قرارات حظر أو وقف اختياري لبناء مراكز بيانات جديدة. وقال متحدث باسم شركة ميتا لمجلة فورتشن: “إن كوننا جيراناً جيدين هو أولوية قصوى؛ لقد كلفنا طرفاً ثالثاً بإجراء دراسة للآبار في جورجيا، والتي أكدت عدم وجود صلة بين مشكلة الآبار وعمليات ميتا”.

 

كما شاركت الشركة أهدافها لتصبح “إيجابية مائياً” في عام 2030، مما يعني استعادة مياه أكثر مما تستهلك، بينما لم تستجب جوجل على الفور لطلب التعليق.

 

لاحظ سكان ضاحية “أنيليز بارك” الراقية جنوب أتلانتا في مقاطعة فاييت بجورجيا، أن ضغط المياه لديهم كان ينهار. دفع ذلك مرافق المقاطعة للتحقيق، ووجدت وصلتين مائيتين على نطاق صناعي تغذيان مجمع مراكز بيانات بمساحة 615 فداناً يحمل الاسم الرمزي “مشروع إكسكاليبور”.

 

وفي مايو 2025، أرسل نظام مياه المقاطعة رسالة إلى المطور توضح اكتشاف عدادين؛ أحدهما تم تركيبه دون علم المقاطعة، والآخر لم يكن متصلاً بحساب الفواتير.

 

أخطاء الفوترة

 

أصدرت إدارة مقاطعة فاييت بياناً قائلة إن المشكلة نشأت بعد ترقية العدادات إلى عدادات ذكية، حيث ظل أحد العدادين تحت النظام القديم ولم يرسل فواتير.

 

وبعد اكتشاف الخطأ، تبين أن الشركة استهلكت أكثر من 29 مليون غالون، أو ما يعادل 44 حمام سباحة أولمبي. وجاء في الرسالة الرسمية أن استخدام المياه تجاوز بشكل كبير ذروة الحجم المعتمدة أصلاً خلال عملية التخطيط، ووثقت رسوماً استرجاعية قدرها 147,474 دولاراً.

 

قالت مديرة مياه المقاطعة إن الشركة هي أكبر عملاء المقاطعة وأن العلاقة تتطلب الشراكة، مما يفسر عدم فرض غرامة. ومن المتوقع أن يدر المجمع ما بين 150 إلى 200 مليون دولار سنوياً من الضرائب.

 

وتقول الشركة المطورة إنها ستستخدم نظام تبريد “دائرة مغلقة” مستقبلاً، وأن الاستهلاك الحالي مرتبط بأنشطة البناء المؤقتة ومكافحة الغبار. وصرحت الشركة بأن أي ادعاء باستخدام غير لائق هو ادعاء خاطئ تماماً وناتج عن خطأ في الفواتير.

 

ساءت ظروف الجفاف في جورجيا لتصل إلى مستويات شديدة واستثنائية، مما دفع الحاكم برايان كيمب لإعلان حالة الطوارئ. ولدى الشركة المطورة سجل من المشكلات التنظيمية؛ ففي ولاية آيوا، اكتشف المسؤولون 40 بئراً غير مرخصة في موقعها عام 2025، مما دفع للمطالبة بغرامة قدرها 20 ألف دولار.

 

في أغسطس 2025، رفض مجلس مدينة توسان بالإجماع أي مشاركة في مجمع “مشروع بلو”، المرتبط بأمازون، بسبب القلق من استخدام المياه والكهرباء. انسحبت أمازون لاحقاً، لكن المطور استمر في البناء، وكشف تحقيق أطلقه أحد السكان أن مقاولاً حصل على عداد إنشائي ونقل المياه خارج حدود المدينة إلى الموقع دون تصريح.

 

طالب مدير المدينة المطور باستبدال 650 ألف غالون من المياه المستخدمة، ورغم أنها جزء بسيط مقارنة بالمراكز التشغيلية، إلا أنها تمثل تجاوزاً لقرار المدينة الرافض للتزويد. ويعمد المطورون لإقامة مشاريع خارج حدود البلديات لتجنب قانون “إمدادات المياه المضمونة”، الذي يتطلب إثبات القدرة المائية لـ 100 عام. وفي وقت سابق من هذا الشهر، وقعت ولايات حوض نهر كولورادو السفلي اتفاقية حفظ جديدة لإنقاذ مليون فدان-قدم من نظام نهري يعاني من ضغط هائل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى