علوم

مقابل النظافة المجانية.. 500 ساعة من أسرار منزلك للبيع

الروبوتات تتدرب على التكيف مع بيئات متغيرة وأغراض غير متشابهة

سمانيوز /متابعات /رشا عبد المنعم

 

تخيل هذا المشهد: فريق من عمال النظافة مجهزين بكاميرات، ومعهم طاهٍ خاص، يطرقون باب منزلك حاملين معدات تسجيل متطورة، لا ليقدموا لك خدمة فحسب، بل ليحولوا خصوصيتك إلى “وقود” تقني. تحت إغراء عرض “النظافة المجانية”، هكذا تتوسع مبادرة شركة “شِفت” (Shift) في نيويورك، حيث باتت تُرسل طواقم تنظيف مجانية مقابل “ثمن باهظ”؛ وهو تصوير كل ركن في شقتك لتدريب الجيل القادم من الروبوتات المستقلة.

 

هذه المبادرة، التي تديرها شركة “مايكرو إيه جي آي” (Micro AGI)، ليست مجرد عرض خدمي، بل هي جزء من حراك تقني متنامٍ يهدف لتدريب الروبوتات على إنجاز كل شيء، من غسل الأطباق إلى تقديم الرعاية الشخصية، مما يجعل من منزلك “مصنعاً للبيانات” بدلاً من مجرد مكان للعيش.

 

ونظراً للطلب المرتفع على هذه الخدمة المجانية، يتواجد هؤلاء العمال في نيويورك بشكل دائم، حيث يغطون حوالي 5 شقق يومياً،5 أيام في الأسبوع. والفرق الوحيد بينهم وبين عمال النظافة العاديين هو وجود كاميرات مدمجة في قبعاتهم، متصلة عبر أسلاك بهواتفهم المحمولة لضمان نقل الصورة.

 

الهدف الجوهري من هذا العرض هو أداء مهام تتطلب دقة حركية بشرية، لتدريب “روبوتات المستقبل” على استخدام أيديها ببراعة. وبسبب هذه المهمة، كان العمال يركزون بشكل مكثف على حركة أيديهم أثناء أداء مهام التنظيف.

 

فخ المجانية

 

لا تأتي هذه المبادرة من فراغ؛ فوفقاً لتقديرات مؤسسة “جولدمان ساكس” ، من المتوقع أن يصل حجم سوق الروبوتات البشرية العالمي إلى 6 مليارات دولار بحلول عام 2035.

 

هذا النمو المتسارع هو المحرك الأساسي لشركات مثل “مايكرو إيه جي آي”، حيث تسعى لاقتناص حصة من هذا السوق الضخم من خلال بناء نماذج تدريبية تعتمد على بيانات بشرية حقيقية، وهو ما يفسر تحول المنازل إلى مختبرات تقنية.

 

يؤكد “بيركان كيليك”، مؤسس شركة “شِفت”، أن الهدف من هذا الجهد هو “تطوير البشرية”. ويوضح أن نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية، مثل “تشات جي بي تي” (ChatGPT)، تعتمد على النصوص المتاحة عبر الإنترنت، لكن كل مطبخ أو غرفة معيشة يمتلك تفاصيل مختلفة وأدوات متنوعة؛ لذا تحتاج الروبوتات إلى التدريب على التكيف مع بيئات متغيرة وأغراض غير متشابهة.

 

ويشير كيليك إلى أن التحدي الأكبر يكمن في حاجة الروبوتات لجمع “أطنان” من البيانات كي تتمكن من العمل بفعالية؛ ففي العالم الحقيقي، تتغير الإضاءة وتتبدل ترتيبات الغرف باستمرار، مما يفرض على النماذج الذكية تعلم التنسيق بين حركة الأيدي، وكاميرات الرؤية، وتفاصيل البيئة المحيطة.

 

بياناتك النفط

 

تدرك الشركات أن “البيانات هي النفط الجديد” في عصر الذكاء الاصطناعي. فبحسب تقرير “معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المرتكز على الإنسان” (HAI)، ارتفع الإنفاق العالمي على أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي بنسب قياسية تتجاوز 100 مليار دولار سنوياً.

 

وفي ظل هذه المنافسة المحمومة، يصبح جمع البيانات البصرية الحركية (مثل التي تجمعها “شِفت”) أصلاً عالي القيمة، مما يدفع الشركات لتقديم خدمات مجانية “مغرية” كأداة لجمع أكثر من 500 ساعة من البيانات الحركية عالية الدقة لكل منزل يتم تنظيفه، وهو ما يصعب توفيره في بيئات معملية محاكاة.

 

تتجاوز طموحات هذه الشركات مجرد جمع البيانات؛ فهي تتسابق للهيمنة على سوق يقدر بمليارات الدولارات. فوفقاً لتقارير “مؤسسة ماكينزي” (McKinsey)، من المتوقع أن يضيف الذكاء الاصطناعي التوليدي قيمة اقتصادية عالمية تتراوح بين 2.6 إلى 4.4 تريليون دولار سنوياً عبر مختلف القطاعات.

 

وفي هذا السياق، كشفت بيانات “سوق الاستثمار في الذكاء الاصطناعي” أن جولات التمويل للشركات الناشئة في مجال “الروبوتات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي” قد سجلت أرقاماً قياسية في عام 2025، حيث جذبت شركات مماثلة لـ “شِفت” استثمارات تجاوزت 500 مليون دولار في جولة تمويل واحدة، مما يفسر سبب إقدامها على حرق الملايين من الدولارات في توظيف عمال بشريين لجمع “البيانات الحركية”.

 

غزو الخصوصية

 

في المقابل، يحذر خبراء البيانات والخصوصية المستهلكين من خطورة التضحية بالخصوصية -خاصة داخل المنازل- مقابل خدمات مجانية. ويرى “روري مير”، مدير الوصول المفتوح في مجموعة “إلكترونيك فرونتير فاونديشن” (Electronic Frontier Foundation)، أن هناك زيادة مقلقة في ممارسات “دفع مقابل الخصوصية” أو ما يشبه “رشوة البيانات”.

 

ويضيف مير أن البيانات التي يتم مشاركتها قد تُستخدم لاحقاً ضد أصحابها، فحتى مع الثقة في الشركة المجمِّعة، يظل هناك خطر انتقال هذه المعلومات إلى أطراف ثالثة أو حكومات.

 

من جانبها، تصف “كالي شرودر”، مديرة برنامج الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان في مركز “إيبك” (Epic) للخصوصية الإلكترونية، مبادرة “شِفت” بأنها “طريقة مبتكرة وشيطانية لبيع انتهاك الخصوصية”.

 

تُشير تحليلات “مؤسسة البيانات الدولية” (IDC) إلى أن حجم البيانات العالمي سيصل إلى أكثر من 175 زيتابايت بحلول عام 2025، حيث تُشكل البيانات المرئية الحساسة المجمعة من المنازل جزءاً لا يتجزأ من تدريب “الوكلاء الأذكياء”. وبالنسبة للشركة، فإن تكلفة تنظيف الشقة هي مبلغ زهيد مقارنة بالقيمة السوقية لهذه البيانات التي ستُستخدم في تطوير خوارزميات قد تسيطر مستقبلاً على قطاعات صناعية وخدمية بمليارات الدولارات.

 

على الطرف الآخر، يدافع كيليك عن نهج شركته، معتبراً إياها “المنصة الأكثر صدقاً” فيما يخص استخدام البيانات، حيث يجادل بأن بيانات الأفراد تُستغل يومياً عبر مواقع التواصل والمنصات الرقمية دون مقابل أو علم مسبق. وبحسب كيليك، فإن نموذجه القائم على المقايضة هو معاملة صريحة؛ “إذا لم ترغب في المشاركة، فلست مضطراً لذلك، ولا نتوقع أن ينال الأمر إعجاب الجميع”.

 

وعلى الرغم من مخاوف الخصوصية، يبدي آخرون حماساً للمشاركة في ثورة الذكاء الاصطناعي، مؤكدين أن من يواكب هذا التغيير مبكراً ليس لديه ما يخشاه، ويبدو هؤلاء الشباب متحمسين لكونهم جزءاً من هذه الطفرة، حتى لو اقتضى ذلك العمل في شقق لا تنتهي بمدينة نيويورك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى