لغز الجانب المظلم من القمر.. مفاجأة تقلب المفاهيم

سمانيوز /متابعات /وائل زكير
يبدو وصف «الجانب المظلم من القمر» بديهياً للوهلة الأولى، لكنه يخفي مفارقة علمية لافتة؛ فالوجه الذي ظل بعيدا عن أنظار البشر لقرون لا يعيش في الظلام، بل يتلقى في المتوسط ضوءا أكثر من الوجه المواجه للأرض. فكيف اكتسب هذا الجانب اسمه، ولماذا يخالف الواقع ما يوحي به الوصف الشائع؟
ما حقيقة الجانب المظلم من القمر؟
يكمن مفتاح هذه المفارقة في طريقة دوران القمر؛ إذ يتزامن دورانه حول نفسه مع دورانه حول الأرض، فيبقى الوجه نفسه مواجها لنا باستمرار، بينما يظل الوجه الآخر بعيدا عن مجال رؤيتنا المباشرة. لكن اختفاء هذا الجانب عن أنظارنا لا يعني أنه محروم من ضوء الشمس، وهنا تبدأ القصة الحقيقية وراء مصطلح «الجانب المظلم».
ولا تقتصر هذه الظاهرة على قمر الأرض؛ إذ يحدث الأمر نفسه مع الأقمار الكبيرة الأخرى في المجموعة الشمسية، التي تُبقي الوجه ذاته في مواجهة كواكبها. أما بلوتو وقمره شارون، فهما مقيدان مديًا بعضهما تجاه بعض، ما يعني أن مراقبا يقف على أحد نصفي الكرة في أي منهما لن يتمكن من رؤية الجسم الآخر.
لكن هذا لا يعني أن القمر لا يدور حول نفسه. فهو يدور بالفعل، سواء بالنسبة إلى الشمس أو إلى أي مرجع آخر غير الأرض. وتستغرق دورته حول محوره نحو شهر، وهي المدة نفسها تقريبًا التي يستغرقها لإكمال دورة حول الأرض، ولذلك يظل الجانب ذاته مواجهًا لنا باستمرار.
عندما كشفت التلسكوبات الأولى أن البشر لا يرون سوى نصف كرة القمر، أثار ذلك فضولا كبيرا بشأن الجزء الذي ظل مخفيًا عن الأنظار.
ومع ذلك، لم يكن مصطلح «الجانب المظلم» واضح المعنى دائما. ففي ليلة اكتمال القمر، قد يبدو أن «الجانب المظلم» و«الجانب البعيد» يشيران إلى الشيء نفسه، لكن أفضل أوقات رصد تضاريس القمر بالتلسكوب تكون عادة عندما يصل إلى مرحلة التربيع، أي عندما يظهر نصف قرصه مضاءً من منظور الأرض.
في هذه المرحلة، يكون جزء من سطح القمر معرضا لضوء الشمس، فيما يقع جزء آخر في الظل. ولهذا، قد يفهم بعض الناس عبارة «الجانب المظلم من القمر» على أنها المنطقة التي يسودها الليل.
ومن هذا المنظور، يمتلك القمر بالفعل جانبا مظلما، لكنه يتغير باستمرار، ولا يبقى في المكان نفسه. وفي المقابل، توجد مناطق لا يصل إليها ضوء الشمس مباشرة لفترات طويلة جدًا، مثل قيعان بعض الفوهات العميقة والمعزولة قرب قطبي القمر. ويأمل العلماء العثور على جليد مائي في هذه المناطق، لكنها لا تمثل جانبًا كاملًا من القمر.
وعند البحث عن عبارة «الجانب المظلم من القمر»، إلى جانب النتائج المتعلقة بألبوم بينك فلويد، سيجد المستخدم غالبًا أن المقصود هو «الجانب البعيد من القمر»، وهو المعنى الأكثر شيوعًا للمصطلح، وإن كان لا يزال محل اعتراض لدى بعض العلماء، وفقا لموقع ” iflscience”.
هل الجانب البعيد مظلم فعلًا؟
المفاجأة أن الجانب القريب من القمر يتلقى عادةً قدرا أكبر قليلا من الضوء، بسبب انعكاس ضوء الشمس عن الأرض ووصول جزء منه إلى سطح القمر. وخلال النهار القمري، يكون الفرق ضئيلا للغاية، إذ يقل عن نصف ألف من شدة ضوء الشمس، لكنه قد يساعد في إضاءة السطح ليلًا، وإن لم يكن كافيًا لتشغيل الألواح الشمسية.
في المقابل، لا يشهد الجانب البعيد من القمر كسوفا شمسيا، بينما يتعرض الجانب القريب لكسوف جزئي أو كلي مرتين على الأقل سنويا. وتشير مجلة «سكاي آت نايت» إلى أن هذه الظاهرة تعني أن الجانب البعيد يحصل على ضوء أكثر قليلًا على المدى الطويل.
وقد تبدو هذه المفارقة غير بديهية، لكنها تتضح عند النظر إلى تأثير الأرض في كمية الضوء التي تصل إلى وجهي القمر. فالأرض لا تعكس إلى القمر سوى جزء من ضوء الشمس الذي تستقبله، بينما تحجب أشعتها عنه عندما تمر أمام الشمس من منظور القمر، مسببةً كسوفا شمسيا يُرى من الجانب القريب.
ورغم أن بعض الضوء ينحني عبر الغلاف الجوي للأرض أثناء الكسوف، ما يمنح القمر لونه الأحمر المميز أحيانا، فإن الحجب يفوق تأثير الانعكاس على المدى الطويل. وهكذا، فإن وصف «الجانب المظلم» لا يعني أنه محروم من ضوء الشمس، بل يشير أساسا إلى الجانب الذي ظل بعيدا عن أنظار البشر، في مفارقة تكشف الفرق بين الاسم الشائع والحقيقة العلمية.
