الدبلوماسية الناجحة من يضع حدودها ومن ينفذ مساراتها؟!.

كتب:
علي عبدالله البجيري.
قبل أيام كتبت مقالا بعنوان ” الدبلوماسية اليمنية… ماضي مقبول وحاضر مزري “. لقي هذا المقال تفاعل عدد كبير من الدبلوماسيين اليمنيين أصحاب الخبرة والتجربة والذين أصبحوا جزء من الماضي الجميل، في زمن فشل الدبلوماسية اليمنية الحالية المعبرة عن فشل الشرعية المغيبة، والمليشيات المتسلطة وقد تلقيت عدد من الاتصالات والرسائل بين مؤيد ومعارض للمقال. وهذا أمر طبيعي. فالمقال لم يروق لهؤلاء من ينطبق عليهم المثل القائل “مصائب قوم عند قوم فوائد”، بينما لقي استحسان هؤلاء الدبلوماسيين الحريصين على نجاح الدبلوماسية اليمنية ولو في ضل أشد الظروف قساوة.
ما أود الوصول إليه من مقالي السابق هو الدفع إلى تلمس مكامن النجاح في العمل الدبلوماسي وتحييدها عن مكامن اخفاقاته، وهو ما ينعكس إيجاباً على تفعيل التحرك الدبلوماسي بما يتوائم وحقائق الأحداث وطبيعة الأوضاع في اليمن، ولما من شانه الدفاع عن مصالح الوطن ورعاية مواطنيه، والبحث عن المصالح والمنافع المشتركة مع دول العالم المختلفة.
ومع كتابة هذه المقال التوضيحي لا تفوتنا الإشادة بكل فخر واعتزاز بما حققته الدبلوماسية الناجحة لليمن في تلك الحقبة المفصلية من تاريخنا في شتى المحافل الدولية، وصولا إلى تبوى بلادنا العضوية الغير دائمة في مجلس الأمن الدولي للأمم المتحدة.
وهذا يقودنا إلى أهمية انصاف من حققوا الإنجازات الدبلوماسية لليمن في ذلك الزمن الرائع فمن حقهم ومن حق أبنائهم واحفادهم التفاخر بما حققوه لصالح اليمن من تواصل مع الدول المختلفة ومع القوى المتعددة. لقد كانوا محط إهتمام واستقبال يليق بهم في أي بلد أو مطار يحطون فيه. واجدها مناسبة أن أشيد بالدبلوماسية الناجحة التى تولى رسم خطوطها العريضة رؤساء العزة والوطنية والكرامة الرئيس سالم ربيع علي والرئيس إبراهيم محمد الحمدي رحمة الله عليهما، فهما من وضعا حدود للدبلوماسية اليمنية، وقام بتنفيذها وزراء مقتدرون، أمثال الوزير محمد صالح مطيع، والدكتور عبد الكريم الارياني، رحمة الله عليهما. فقد حافظا على علاقات متوازنة مع جيرانهما المملكة العربية السعودية وعلاقات مستقرة مع بقية الدول الخليجية الأخرى، وكذا مع كل الاقطار العربية، وعلاقات احترام ومصالح متبادلة مع الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي ومنظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية ومظمة الوحدة الافريقية.. فالدبلوماسية الناجحة هي من تستطيع أن تخلق وتحتفظ بعلاقات مستقرة مع كل دول العالم مهما كانت التباينات في المواقف السياسية بشأن الأحداث الإقليمية والدولية.
وعودة إلى نجاحات العمل الدبلوماسي، فلنا فى هذا السياق عدد من الملاحظات:
أولًا: إن رسالة ومهمة الدبلوماسية اليمنية في ذلك الزمن الجميل، أنها لم تقف أمام حدثٍ واحد، وتغلق أبواب الحركة للمبادرات. فقد كانت منفتحة وتتفاعل بشكل إيجابي مع حركة التوازنات في العلاقات بما يخدم المصالح الوطنية العليا لليمن.
ثانياً: لقد اطلعت على دراسات وابحاث حول خطوات الدبلوماسية الناجحة ” كتبها ثلة من المختصين في الشأن الدبلوماسي من جامعة لندن، أكدوا فيها أن دبلوماسية الخطاب والتركيز في العمل الدبلوماسي على تبادل الزيارات وصرف الأموال في الاستقبالات والتوظيف العشوائي لا يتماشى مع مقومات الدبلوماسية العالمية. فالدبلوماسية الناجحة في العصر الحالي تراهن على تنويع الشراكات الأفقية والمتعددة الأبعاد وتستحضر البعد التعاقدي في هذه العملية، كما تضع الآليات الكفيلة بالتتبع و التقييم والتجديد.
ثالثاً: إن الملاحظات التي كتبتها الخارجية الأمريكية، بشأن الرد على مذكرة سفارتنا في واشنطن حول وضع السفير السابق هي صحيحة، وتستند إلى الأصول والاعراف الدبلوماسية والبرتكولية ،وهذا ليس موقفاً عدائيا، مهما كان مستوى العلاقات الثنائية والمصالح المشتركة بين الدولتين.
رابعاً : إن الملاحظات التي اوردتها في المقال المشار إليه أعلاه، هي حصيلة لتجاوزات أدت إلى تعثر الدبلوماسية اليمنية، مستنداً إلى معلومات ووثائق متكاملة لكل شاردة وواردة كتبت في المقال.
خامسا: في ضوء ذلك، لن يكون مسلك الديبلوماسية اليمنية في الإتجاه الصحيح إلا إذا وجد الكادر الدبلوماسي المؤهل من أصحاب الخبرة والباع الطويل في المؤتمرات لدولية والإقليمية والعربية، وملىء الفراغ الكبير الذي أحدثته الحرب ولا تزال، بما في ذلك الانقسام في المجتمع اليمني وانتشار الفساد في كل مؤسسات الدولة، ومنها الخارجية اليمنية وبعثاتها الدبلوماسية، فالمهام الدبلوماسية تتغير بتحرك الأحداث ومتطلبات العصر الحديث، إلا أن الوصف العام للدبلوماسية يأخذ دائماً حقيقة النظم والوسائل، التي يُمارس بها فن وعلم إدارة التواصل في العلاقات القائمة بين الدول، والتي تنشأ تعبيرا لمصالحها المتبادلة واتساقاً مع مبادئ القانون الدولي، ونصوص المعاهدات والاتفاقات، كما يأخذ المعنى في الاعتبار حرفية الدبلوماسي وقدراته الخاصة في القيام بما يوكل إليه من مهام.
والخلاصة.. أن متطلبات النجاح في العمل الدبلوماسي تتمثل في امتلاك قدرات واضحة من الأفضليات الإنسانية. وتعتمد على الأسلوب الذي ينتهج به الدبلوماسي تصريف مهامه، والذي يجب أن يتسم بسعة الاطلاع، والفهم، والحصافة، والتقدير، والقدرة على التوقع، والمرونة.
