مقالات

الكذب في السياسة الدولية.. بين النظرية والتطبيق.

كتب: علي عبدالله البجيري

يبدو أن مقولة جوزيف غوبلز وزير الدعاية السياسية في عهد الزعيم الألماني أدولف هتلر «أكذب أكذب حتى يصدّقك الآخرون، ثم أكذب أكثر حتى تصدّق نفسك»، هي المبدأ الذي تنتهجه في العصر الحديث كلا من إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن ومعه دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تعاملهم مع الأزمة بين روسيا وأوكرانيا.
لن أخوض في أسباب الأزمة الروسية الأوكرانية وخلفية أحداثها، ولكن النظر في ما رافق تلك الأزمة من تدليس وأكاذيب اسدلت ظلالها على العلاقات الدولية حتى إنها أصبحت أحد الأسلحة التي لجأت إليها أطراف الأزمة لتأجيج الموقف. ونجد أن أكثر الأكاذيب شيوعاً وانتشاراً وتصديقاً هي تلك المرتبطة بالجوانب الوطنية، وتعزيز الجبهة الداخلية، ووحدة الصف لمواجهة العدوان الخارجي، ترهيب المواطنين وتخويفهم من قدرات العدو. مقابل أن تكون هناك تسريبات من شأنها خداع الخصوم وتضليلهم ونشر الذعر بين صفوف قواتهم.
كما لوحظ في الآونة الأخيرة تصاعد اتجاهات غير تقليدية للكذب في العلاقات الدولية، يأتي في مقدمتها الخطابات الشعبوية الموجهة مباشرة إلى مواطني بلد العدو، وتضليلهم عن حقيقة الأوضاع والتشكيك في قياداتهم السياسية وعدم قدرة قواتهم العسكرية، مع تسريب رسومات بيانية تضليلية للنتائج المدمرة فيما إذا اندلعت الحرب، معززة بالصور والأصوات والوثائق المزيفة.
وبالعودة إلى موضوع الأزمة الروسية الأوكرانية التي انعكست سلبا على العلاقات الروسية الأمريكية، نرى ان تلك الأزمة مفعمة ببؤرة من الأساليب المضللة والمزاعم الكاذبة يتقاذفها الطرفان. فالولايات المتحدة الأمريكية ما لبثت إن سوّقت سلسلة من الأكاذيب والمزاعم الغاية منها التسويق بأن روسيا دولة تهدد ليس فقط الدول المجاورة وإنما أيضا الأمن والسلم الدوليين. هذا مايذكرنا بتلك الأكاذيب التي سبق للولايات المتحدة الأمريكية أن روجت لها أبان حروبها السابقة.
وهنا نعرض أمثلة من تلك الأكاذيب التي أطلقتها الولايات المتحدة الأمريكية في تاريخ تعاملها السياسي مع الأزمات الدولية خلال القرنين الماضيين وحتى اليوم.
أولاً:
عام 1898 تذرعت الولايات المتحدة بانفجار لم تعرف أسبابه وقع في البارجة «MEN» التي كانت راسية في ميناء هافانا، لدخول الحرب ضد إسبانيا واحتلال جزر الكاريبي للسيطرة على مواردها الطبيعية.
ثانيا:
في 16 أكتوبر 1962م كذبت إدارة كينيدي على شعبها والعالم أثناء أزمة الصواريخ الكوبية مع الاتحاد السوفياتي، وهي من وقعت صفقة سرية مع الاتحاد السوفيتي تقضي بأن تسحب الولايات المتحدة لصواريخ جوبيتر ذات الرؤوس النووية من تركيا على أن يسحب الاتحاد السوفياتي صواريخه من كوبا، واشترطت على السوفيات عدم الإعلان للرأي العام عن هذه الصفقة.
ثالثا:
في الثاني من أغسطس 1964 ولتبرير دخول الولايات المتحدة حرب فيتنام، ادعت واشنطن بأن المدمرة “يو إس إس مادوكس” التي كانت متمركزة في خليج تونكين قبالة سواحل فيتنام تعرضت لهجوم من جانب قوارب طوربيد فيتنامية وكانت هذه الكذبة من صنع وكالة المخابرات CIA .
رابعا:
في الخامس من فبراير 2003 وقف وزير الخارجية الأمريكي( كولن باول) يعرض أمام مجلس الأمن صوراً ووثائق وخرائط مزيفة عن حيازة العراق أسلحة دمار شامل لتبرير غزو العراق واحتلاله. واعترف (كولن باول) في مقابلة مع قناة CNN قائلاً أنه خدع من المخابرات وأن هذا الموقف شكل وصمة في تاريخه العسكري والسياسي.

خامسا:
حددت إدارة الرئيس الأمريكي الحالي “بايدن” يوم الأربعاء 16 فبراير الماضي 2022م موعد غزو روسيا لجارتها أوكرانيا وشنت حملة إعلامية لا مثيل لها ولا تزال ضد روسيا وقيادتها السياسية حتى اليوم.

الخاتمة:
اقترنت السياسة والحروب بالخداع والتدليس ربما منذ ظهورها، إلى أن ظهر المفكر « ميكيافيلي»، فارسي «الأساس الأخلاقي» لأساليب الكذب والخداع وقنن مداخلها ومخارجها، معلنا صراحة ” أن ما يعتبر من الأخلاق الحميدة والاستقامة بين الأفراد، قد لا يصلح في السياسة والحكم والعلاقات الدولية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى