مقالات

الوحدة أو الموت

كتب : أحمد عبد اللاه

فشل الوحدة لا يحتاج إلى دليل أكثر من الشعار الشهير: “الوحدة أو الموت”، الذي يردده قادة اليمن (الشمال) بمستوياتهم المختلفة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سراً وعلناً.
لأن أي وحدة حقيقية بمفاهيمها السياسية والحضارية والإنسانية لا تحتاج إلى الموت ولا تحتاج إلى القتل ولن تكون أبداً بحاجة إلى حرب. فأي وحدة تتبنى ذلك الشعار إنما هي ضرب من التصفية الوجودية لأحد الأطراف بغرض الاستيلاء بالإكراه والترهيب والقتل.
وبالمقابل أي وحدة تتم بالقوة أو تستمر بالموت والتشريد لن تصبح سوى كارثة مستدامة، وتطبيق مبدأ قابيل، ودورات من الدماء والعنف قد تستمر عقود.. وفي نهاية المطاف ستفشل فشلا مزلزلاً ولكن بعد أن يكون الشعبان قد هلكا ودفعا أثمان تفوق حسابات الجنون، ولبسا وجه الفجيعة الأبدية التي سترمي بظلالها السوداء على عقول ونفوس الاجيال، ولن يمحوها الزمن كعبرة لألف عام تُستولد منها اساطير الخوف.

الوحدة الحقيقية “ان كانت ضرورة” بحاجة إلى الكثير الذي لا يوجد في الواقع اليمني الصعب…إلى الكثير الذي لا يمكن تغليفه بالأغطية الوطنية والدينية والعاطفية، إلى الكثير الذي لا يفهمه قائد يرى في الوحدة توسيع لقاعدة حكمه وإنجاز شخصي يشبع طموحه ويرضي غرائزه، إلى الكثير الذي لا يعرفه رجل دين يسخّر كلام السماء وعقيدته من أجل سلطان دنيوي حقير، إلى الكثير الذي لم يطرأ حتى على فكر المثقف المتحزب أو المتعصب لمنشأه وجماعته وجهته… وإلى الكثير الذي لن تأتي به العقود القادمة.

الوحدة أو الموت شعار رعب وترهيب ودعوة لإبادة كل من يخالف نمط المصادرة لحق الشعوب في اختيار حياتها ومستقبلها، حيث لا يحتاج أي شعب يرفض استمرار وحدة ما إلى مسوغات ومحاججات تاريخية أو ايديولوجية إن هو لا يحتمل ولا يتحمل عبئها ويقرر أن يتراجع عن خطوة خاطئة جلبت له كل مصايب العصر.

الشمال يمر بمرحلة هي الأكثر تعقيد في تاريخه حيث تتقاسمه قوى دينية عقائدية مرتبطة مباشرة إما بالولاية الخمينية أو بالخلافة العثمانية المنتظرة وتتخذ إحداهما من إرث صراعات التاريخ بين أجنحة السقيفة والغدير أرضية لثقافتها ويتم تصنيف أفراد الشعب الكادحين إلى خالقهم وفقاً لنقاء الدم والسلالة عند طرف او الانتماء للتنظيم الدولي عند الطرف الاخر.

تلك القوى الدينية ترى في الوحدة بالقوة جهاد في سبيل الله. فبعد أن شهد العالم اخراجات حرب ٩٤ وموجات القتل والتكفير وتقسيم المتحاربين إلى مؤمنين ومرتدين هاهو اليوم يستقبل إشارات واضحة تتجلى في ندوات صنعاء وخطبها بعناوين رهيبة مثل: “الدروس والعبر المستفادة من غزوة بدر الكبرى في إطار التحديات التي تواجهها الوحدة اليمنية”!

أي أن الجنوبيين المدافعين عن خياراتهم سيصبحون في مقام كفار قريش وقتالهم جهاد مقدس، وبعد ربع قرن من التكفير رقم ١ ما تزال الماكنة شغالة بأقصى درجاتها، وما يزال النهج الدموي باسم الدين سائد بقوة مع اختلاف المذهب والطائفة السياسية حيث تصبح الآن دوافع الإبادة مزدوجة.. وعليك أيها القارئ ان تتخيل الجنوب، الذي رفض الوحدة قبل ان تصل الأوضاع إلى هذا الواقع الكارثي، كيف أنه الآن أكثر نفوراً حيث لا توصيف لأي نفور أشد منه.

الشعارات التضليلية التي ترتكز على مفردة “التقسيم” يستخدمها الإعلام المتحزب لإحداث صدمة للقارئ العربي الذي لا يمتلك معرفة حول جذور أزمة الوحدة اليمنية وتاريخ الدولتين لكن الحقيقة ان الشمال والجنوب سيصبحان اكثر قرب وسلام وتكامل حقيقي باستعادة دولتيهما اذا تعاملا مع الوضع المدمر الكارثي بواقعية شديدة.
استعادة الدولتين بكامل صحتهما وعافيتهما وعلاقتهما وروابطهما ليس تقسيم أو تجزئة أو اعادة رسم الخرائط أو انقلاب على واقع تاريخي أو العودة عن طريق الحق والعدل أو شيء من هذا القبيل. التقسيم الحقيقي هو ما يقوم به الحوثيون الذين يقسمون الارض إلى منطقة المنشأ ومحافظات (تابعات) ويقسمون البشر إلى سلالة مقدسة ورعاع وإلى رؤوس مرفوعة واخرى منزوعة وإلى ضهور مسنودة وأخرى مجلودة.. والتقسيم هو ما يظنه تنظيم (الاخوان) الذي يقسم الناس الى “إخوان مسلمين”، اصحاب البيعة للمرشد، وآخرين بلا معنى يتم تصنيفهم حسب توجهاتهم السياسية… ويقسمون المناطق حسب درجة سيطرتهم عليها ويقسمون الدول وفقا لقربها أو بعدها عن مشروعهم بين دول معصومة من الأذى واخرى معادية يجب تخريبها وزرع الفتن بداخلها بهدف الاقتتال الداخلي ونشر الفوضى والارهاب ومن ثم انهيارها ليتم السيطرة على خرائبها!
أليس هذا هو التقسيم الأبشع في التاريخ؟

احمد عبد اللاه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثمانية + 6 =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى