مقالات

انقلاب النيجر والإرث الاستعماري !

كتب : علي عبدالله البجيري

انتهى يوم الأحد ال6 من أغسطس الموعد الذي حددته مجموعة (إيكواس) للتدخل العسكري لإنهاء الانقلاب في النيجر، ذلك الموعد الذي استنفر شعب النيجر للدفاع عن وطنه من أي تدخلات تقودها نيجيريا بصفتها رئيسا للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا وبدعم وتأييد فرنسا، الجزائر الجارة ترفض أي اجتياح لأراضي النيجر، تدعمها روسيا والصين.بذلك الفرز ا فإن قضية النيجر أخذت طابع الصراع الإقليمي والدولي والذي نتيجته الدخول في أتون الحروب وعدم الاستقرار.
وا‏لانقلاب العسكري الذي حدث في النيجر في يونيو الماضي هو ليس الأول ولن يكون الأخير، بينما اهميته تكمن في أنه يشكل تحديا للنفوذ الفرنسي والأميركي ليس في النيجر فحسب ، بل وفي إفريقيا. لذلك فإن العملية الانقلابية التي استهدفت رئيس النيجر محمد بازوم، تعتبر الانقلاب السابع في النيجر منذ استقلاله عن فرنسا في ستينيات القرن الماضي.
ولعلي أتوقف هنا عند بعض مما يقرأ خلف سطور الحدث في النقاط التالية :
1) : لم يكن الانقلاب مفاجئاً، فالتواجد الفرنسي بقواعده العسكرية بدأ يتساقط في الدول المجاورة مالي، وبوركينا فاسو، وكانت التوقعات تشير أن النيجر على الطريق وأن آخر معاقل فرنسا في مستعمرات الأمس سوف تلحق بالدول التي ترفض القواعد والهيمنة الفرنسية اليوم. انقلاب النيجر مؤشر بأن القارة السمراء باتت ساحة لصراع جيو استراتيجي هدفه السيطرة على الثروات تقوده فرنسا وأمريكا بهدف منع الصين وروسيا من إقامة شراكات جديدة مع القارة السمراء، وهذا ما يوضح الأهمية الاقتصادية والتجارية والعسكرية للقارة الإفريقية.
2) : شيء طبيعي ومتوقع أن يقابل الانقلاب بالرفض من أمريكا ، ومن فرنسا التي يتواجد بها قرابة 1500 جندي فرنسي في عدد من القواعد بالنيجر، إضافة إلى احتكارها لمناجم اليورانيوم والذهب والفحم، علاقات فرنسا بالنيجر تحمل إرثاً استعمارياً طويلاً، وهيمنة ثقافية. الرئيس الفرنسي عبر عن غضبه لما حدث بالتهديد والوعيد للانقلابيين، وهو نفس الموقف اتخذته أمريكا التي لها في النيجر قاعدة طائرات مسيَّرة (كلفتها 100 مليون دولار) ، وهذه القاعدة تعتبرها واشنطن ركيزة أساسية في الحرب على الجماعات المتشددة المرتبطة بتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في منطقة الساحل.
3) : الواضح أن الدول الإفريقية وخصوصاً في منطقة الساحل، قد ضاقت ذرعاً بالوجود العسكري الفرنسي والأمريكي، خصوصاً بما لدى شعوب القارة من مخزون ذكريات مريرة من سنوات الاستعمار ، وأن هذه الشعوب بدأت تعي بأن مصلحتها تقتضي التحرر الاقتصادي وإعادة النظر في عقود عمل الشركات الفرنسية، والبحث عن شراكات جديدة بعيدة ً عن منطق الهيمنة،دول الساحل بأوضاعها الجديدة ترفض التدخل في شؤونها الداخلية، واستنزاف ثرواتها، وهناك الفشل الفرنسي والأمريكي في مواجهة المنظمات الإرهابية والذي أسهم في تقوية هذه المنظمات وتوسيع سيطرتها، ما أدى إلى مقتل آلاف المواطنين وتشريد الملايين، وانعدام الأمن وانتشار الفساد.
4) : الوضع على الأرض يقول إن الانقلاب قد وقع رغم ما قوبل به من التنديد من أطراف دولية وإقليمية وأممية، والتهديد بوقف الدعم الاقتصادي والمالي والعسكري،أما فرنسا وهي الخاسر الأكبر من الانقلاب لأنها تعتمد على مناجم اليورانيوم في”تشغيل مفاعلاتها النووية” فهي من تدفع بالمجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا” إيكواس ECOWAS” ‏ بالتدخل العسكري لاستعادة شرعية الرئيس محمد بازوم.
5) : المعلومات المتداولة في الصحافة الغربية تصف ، الجنرال عبد الرحمن تشاني برجل الظل أثناء حكم محمد بازوم، ووفقاً لمعلومات حصلت عليها وكالة الأنباء الفرنسية،فإن العلاقة بين الجنرال والرئيس الشرعي للبلاد قد تدهورت، منذ عدة أشهر، وأن الجنرال كان صديقاً مقرباً من الرئيس السابق قبل وصول محمد بازوم إلى سدة الحكم . كما أوضحت أن الرئيس بازوم، قد أعرب، قبل فترة وجيزة من إطاحته، عن رغبته في الاستعاضة عن” تشاني” بقائد جديد للحرس الرئاسي. وإذا ما صدقت هذه المعلومات، فإن الجنرال تغدى برئيسه قبل أن يتعشى به.
6) : الرئيس، محمد بازوم، وصل إلى الحكم كأول رئيس عربي منتخب، وهو ينحدر من قبيلة أولاد سليمان التي يتواجد معظمها في الجنوب والوسط “الليبي”، وفي تصريحات سابقة له، قال بازوم إن جده الأكبر قدم إلى النيجر في القرن الـ19، من الجزيرةالعربية( بازوم ربما يكون من أصول حضرمية) ولطالما كانت أصوله العربية سلاحاً قوياً بيد خصومه خصوصاً خلال الانتخابات الرئاسية عام 2021، إذ يمثل المواطنون العرب في النيجر نسبة لا تتجاوز 1.5 في المئة من أصل 18 مليوناً. في حين تتجاوز نسبة السكان من أصول إفريقية ما يربو على 98 في المئة.بمعنى آخر، فإن للانقلاب حسب رأي البعض أيضا أسباب عنصرية فالقبلية لاتزال مؤثرة.
7) : هناك علامات استفهام تطرح حول دور مفترض لروسيا في تدبير انقلاب النيجر، وهو ما نفته موسكو من خلال مندوبها الدائم في مجلس الأمن الدولي، فلم يتخذ موقفاً مخالفاً لنظرائه، حين أصدر هذا المجلس بياناً صريحاً يُدين فيه العملية الانقلابية، مع أنه كان قادراً على منع ذلك باستخدام حق النقض “الفيتو ” وهو ما لم بحدث رغم حدة الصراع بين الغرب وروسيا بسبب الحرب الأوكرانية، بينما طالب المتحدث الرسمي بأسم الكريملين بعودة الأمور إلى مسارها الدستوري محذرا من خطورة أي تدخل عسكري.
8) : انقلاب النيجر كشف أن تصاعد الاضطرابات في جميع أرجاء منطقة الساحل يحمل في طياته صراع حول إمدادات الطاقة في أوروبا، بحسب تقرير لصحيفة The Telegraph البريطانية.، فما داموا قد استطاعوا أن يشنوا حرباً في أوروبا، فما الذي يحول دون إشعالهم حرباً مثلها في إفريقيا، التي لا يعبأ بها أحد، في ظل طمع واحتكار الشركات الفرنسية والأوروبية للطاقة، فالنيجر.تنتج نحو 5 % من إمدادات اليورانيوم في العالم، لذلك فإن أهمية النيجر لفرنسا، يعود إلى الاحتياطيات الإستراتيجية من اليورانيوم، خاصة أنه عنصر أساسي في إنتاج الطاقة النووية، إذ تشكل المحطات النووية مصدر الطاقة الرئيسي في فرنسا، وتحصل باريس وحدها على 70% من طاقتها الكهربائية من هذه المحطات، ويشكل يورانيوم النيجر نحو 40% من اليورانيوم الذي تستهلكه فرنسا.
ختاما .. الوضع لا زال معقدا جدا، ولعل الأيام القليلة القادمة ستكون مصيرية لهذا البلد.وفي كل الأحوال يمكن لنا استخلاص بُعدين أساسيين للانقلاب في العاصمة نيامي : البعد الأول الخلافات الداخلية والنزعة القبلية ودورها المؤثر في البلاد. أما البعد الثاني : فإن له صلة وثيقة بالصراع الدولي والإقليمي وخاصة في بعده الاقتصادي والعسكري وصراع السيطرة على الثروات،وتأييد القارة الإفريقية لقيام نظام دولي جديد متعدد القطبية. اللجوء إلى فرض عقوبات اقتصادية ومقاطعة النظام الجديد وإعلان الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا إيكواس أنه تم تحديد خطوط عريضة “لتدخل عسكري محتمل” مثل هذا التدخل أن حدث سيؤدي إلى حرب إقليمية بين دول من الساحل وغرب إفريقيا، وهذا يعني أن فرنسا نجحت في إشعال حرب ضد النيجر” بأيدي سوداء ” ‏حرب قد تجر إليها قوى عالمية لها مصالح اقتصادية ،أنه اليورانيوم قبل أي حديث عن الديمقراطية والشرعية الدستورية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى