مقالات

عجز الكلام عن الكلام

كتب:
علي عبدالله البجيري

رحل شاعر اليمن الكبير عبدالله البردوني رحمة الله تغشاه، لكن التاريخ دوّنه بأحرفٍ من نور على أنصع صفحاته. نعم، فقد بصره وهو في الخامسة من عُمره، فأبدَلهُ الله ببصيرةٍ وشاعريّة فذّة، جعلَت منه واحداً من أروع الشعراء في التاريخ والعصر الحديث. فكل تاريخ هو تاريخ معاصر كما يقول المؤرخ الإيطالي بينديتو كرواتشه.

لقد تنبأ شاعرنا بأحداث عدّة في أشعاره، تعكس استقرائية رؤيته الواضحة للمستقبل البعيد. استخلص تنبؤات مستوحاة من دروس الحياة والتاريخ، من المفيد التوقف عندها والتفكّر بها. فهي من وجهة نظري قراءة لواقع اليوم والأمس والغد.

قرأت العديد من القصائد البردونية. فقررت أن أكتب عن أبعاد التنبؤات المدرجة في طياتها، خاصة للأوضاع في اليمن. ولكن القلم لم يستقر ولا الأفكار انتظمت ، فكتبت وحذفت ثم توقفت عند بعض الأبيات العميقة في المعنى من تلك الروائع البردونية، وللقارئ الكريم التأمل فيها خاصة والوطن يمر في هذا الزمن بأخطر مرحلة تاريخية. ولنا أن نتوقف عند أجمل تعبير خطته القريحة البردونية وهو يقول :

“يمانيون في المنفى ومنفيون في اليمن، جنوبيون في (صنعا) شماليون في (عدن)، وكالأعمام والأخوال في الإصرار والوهن خطى أكتوبر انقلبت حزيرانية الكفن ترقى العار من بيعٍ إلى بيعٍ بلا ثمن ومن مستعمرٍ غازٍ إلى مستعمرٍ وطني، لماذا نحن يا مربى ويا منفى بلا سكن بلا حلمٍ بلا ذكرى بلا سلوى بلا حزن”.

للتذكير فإن للبردوني موقف متميز من الوحدة. ففي مقابلة له مع صحيفة «السفير» العام 1995، بعد حرب صيف 1994، قال “إن الوحدة في مرحلتها الأولى كانت مؤامرة على الجنوب ، وفي مرحلتها الثانية (بعد تلك الحرب) أصبحت مؤامرة على اليمن بشطريه”. وكانت له رؤيته الصائبة التي توضحها قصيدته «ربيعية الشتاء» بدءا من العنوان. وقد تنبأ فيها بغزو الجنوب وصراع العليين : “يا بنت أم الضمد قولي لنا أي علي سوف يقصي علي؟”.

تنبؤات البردوني كثيرة رأيناها ولازلنا نعايشها في حياتنا، تلك هي عبقرية البردوني وما تركه للأجيال اليمنية فقد مزج بين التنبؤات بالحكمة والواقعية، ويقول :

“من ذا هنا ؟ “صنعا” بلا صنعا وجوه أجنبية،

متطوعون وطيّعات أوصياء بلا وصية،

حزم من الشّعر المسّرح والعيون الفوضوية.

خبراء في عقم الإدارة وافدون بلا هوية

ومسافرون بلا وداع واصلون بلا تحيّة

ومؤمركون إلى العظام هم وجوه فارسيّة،

ومؤمركات يرتدين قميص (ليلى العامريّه)،

يا ((هدهد)) اليوم ، الحمولة فوق طاقتك القوية

هذي حقائبك الكبار تنمّ عن خبث الطويّه

هل جئت من سبأ ؟ وكيف رأيته ؟.. أضحى سبيه !

وفي الأخير رأيت ان أورد ما قاله في “قصيدة ” عجز الكلام عن الكلام” واترك للقارئ التأمل فيها وتحليل معانيها ومراحل أحداثها :

“عجز الكلام عن الكلام … والنور أطفأه الظلام

والأمن أصبح خائفاً…والنوم يرفض أن ينام

والصدرُ أصبح في الورا … والخلف أصبح في الأمام

والشمس باردة تخاف … الحرَّ تخبأ في الغمام

والذئب أمسى حارساً … يحمي الأرانب والحمام

والكلبُ سيدُ قومه في … الكهف يقتات العظام

والثعلبُ المكار يضحك … من غباء مستدام

والعدلُ يقعد في زوايا … السجن أرهقه القيام

والموت يقتل نفسَه … والشعبُ يقتُله اللئام

والدار أضحت خيمةً … والقبر يُبنى بالرخام

والأرضُ تُروى من دماءِ … الناس أرهقها الصيام

والجوعُ يمشي عاريًا … بين الجميع ولا يُلام

والنفطُ يملأ أرضنا … والناسُ تبحث عن طعام

والكلُ فينا ميّتٌ….والكلُ يدعو للسلام

والخصمُ يزحف نحوَنا … والجيشُ يبحثُ عن غلام

والقائدُ العربيّ … كالثعبان غدار وَ سام

والشيخُ مشغول … بتلوين العباءة واللثام

خلاصة القول .. تنبأ الشاعر البردوني بأحداث كثيرة، منها للحاضر ومنها للمستقبل ، تخيل أموراً عدّة دون أن يعلم أنها ممكنة الحدوث مستقبلاً، سواء في حياته أو بعد مماته. حماكَ الله يا وطني من الأعداء والفِتَنِ .

ورحمة الله عليك يا شاعرنا الكبير وأسكنك فسيح جناته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى