رحيل “سعيد عولقي” .. دفن مرحلة من انتماء الكلمة للصدق
بقلم/صالح علي محمد الدويل
غيّب الموت الكاتب والأديب الكبير سعيد عولقي أحد أهم القامات الثقافية في عدن وصاحب القلم اللاذع الذي لا يعرف المجاملة حين يتعلق الأمر بالحق ، رحل الهرم الصحفي والكاتب الوطني الساخر الشهير بعد حياة حافلة بالعطاء الثقافي والتنويري والإبداعي امتدت لأكثر من نصف قرن ، رحل صوت من أصوات قليلة كانت لا تعرف المداراة ولا المجاملة. رحل كاتب تعوّدنا منه وضوح العبارة ، وصلابة الموقف ، ووفاء لا يتغير للجذور والهوية. قلمه مرآة لهموم البسطاء قبل النخب يكتب من الوجع ويكتب للناس. لا يجمّل القبيح ولا يمجّد النفاق كانت كتاباته تجلد الفساد بلا خوف والشللية بلا رأفة وتنتصر للمظلوم. أول ما عرفته في مسرحية “التركة” الشهيرة التي صارت علامة في الذاكرة المسرحية العدنية.
صوت وموقف ينطبق فيه قول الشاعر العظيم غازي القصيبي:
وإن مضيتُ .. فقولي : لم يكن بطلا
لكنه لم يقبّل جبهة العار
وإن سألوك فقولي: لم أبع قلمي
ولم أدنس بسوق الزيف أفكاري
لم يكن باحثاً عن مجد شخصي ولا عن مقعد قريب من أصحاب النفوذ كان يرى أن الكلمة مسؤولية وأن الصمت خيانة حين يُباع الوطن ويُشترى في “سوق حراج”. لذلك أحبه القراء وخشيه الفاسدون واحترمه حتى خصومه لأنهم يعرفون أنه لا يكتب إلا قناعة
عاش الغربة بجسده لكنه لم يغترب بقلبه يوماً عن كريتر ولا عن عدن ولا عن الجنوب العربي. كان يكتب للمغترب المقطوع رزقه ، وللجريح المنسي ، وللطالب الذي ضاعت أحلامه وظل يردد: الوطن لا يُبنى بتسكيت الناس بل بالاعتراف بجراحهم.
خسرنا كاتباً ظلت كتاباته مميزة لما تحمله من ثراء وقدرات على تطويع اللغة الدارجة الفصيحة ، واليوم لا نؤبن شخص “سعيد العولقي” بل نؤبن مرحلة من مراحل الصدق في زمن كثر فيه “الزفيج” وصارت “اللايكات” هي معيار الموضوعية والانتشار ، نؤبن قلماً ظل يذكرنا أن أسوأ مرحلة في تاريخنا السياسي لا تعني أن نموت فيها بل تعني أن نثبت فيها أكثر على المبدأ.
رحم الله “سعيد عولقي” فقد كان رائداً للكلمة الصادقة التي لا تموت وكان صاحب مبدأ وأصحاب المبادئ لا يُدفنون. سيبقى اسمه في ذاكرة عدن والجنوب وسيبقى قلمه شاهداً على زمن قلّ فيه الملتزمون وكثر فيه المتاجرون.
عزاؤنا لأولاده وكافة أسرته الكريمة ولزملائه الكتّاب ولجميع محبيه في الجنوب وعدن حيث ترعرع واكتسب ثراؤه المعرفي ولشبوة عامة ، وبلاد العوالق حيث ارومته جذوره.
إنا لله وإنا إليه راجعون أسكنه الله الفردوس الأعلى من الجنة.
