مقالات

المقارنة الفاضحة لعصرنا الحديث.. حدث ولا حرج

بقلم: حمدي سعيد العمودي

عندما نتحدث ونتأمل في بعض الأمور التي تستوقفنا خلال ممارستنا لحياتنا المعاصرة، نجد أنها قد تعيدنا إلى الماضي البعيد، إلى العصر الجاهلي أو الإسلامي، الذي يُعد من أجمل العصور السابقة من حيث ما تميز به من قيم اجتماعية وإنسانية. ولا شك أننا في عصرنا الحاضر قد تجاوزنا كثيرًا من الحدود، واستنقص بعضنا بعضًا، واستخففنا بما يخالف المنهج الرباني الذي أساسه الحب والتسامح والإخاء والتراحم والترابط الأخوي. كما أن سماحة الإسلام تفوق خيال الإنسان في إدراك المسؤولية تجاه هذا الدين الحنيف.
سأضرب لكم مثالًا عن العصر الجاهلي، وكيف أصبح بعض ما نعده اليوم محرمًا مباحًا في واقعنا المعاصر. فالعصر الجاهلي، رغم ما ارتبط به من سلبيات، كان يتصف أيضًا ببعض الصفات الحميدة التي تحلّى بها العربي قبل الإسلام؛ فقد كانوا يحترمون معتقدات الناس ولا يسيئون إليهم، وكانت حياتهم قائمة على الكرامة والأصالة والشجاعة والعزة والفخر.
كانوا يكرمون الضيف ويحترمون قدسية معتقده دون سؤال أو انتقاص، وكانت بينهم صفات الصدق والنخوة. كما كانوا يتجنبون الكذب وقول الزور والبهتان والخديعة والمكر، ويتحلون بالأخلاق الحسنة والمعاملة الطيبة. فجاء الإسلام فأقر كثيرًا من تلك القيم النبيلة وعززها، مما يدل على ما كانوا يتمتعون به من صدق وعزة وشهامة.
أما إذا تحدثنا عن تعظيم الحرمات، فحدث ولا حرج. فقد كانوا يقدسون الأشهر الحرم ويعظمونها، فيتركون خصوماتهم وعداواتهم، ولا يقتتلون خلالها تعظيمًا لشأنها. فلم يكونوا يستبيحون الدماء، بل يلقون أسلحتهم وراء ظهورهم، فلا يعتدون ولا يغزون في ظل هذه الأشهر المباركة، رغم أن العصر الجاهلي كان يشهد معارك وخصومات واقتتالًا متواصلًا بين القبائل المختلفة.
وكانت كل قبيلة تسعى لأن تكون الأقوى والأكثر نفوذًا، ومع ذلك كانت بعض القبائل تنصر المظلوم إذا تعرض للعدوان من قبيلة أخرى.
إلا أن هناك فارقًا كبيرًا بين العصر الجاهلي والعصر الحديث؛ فسلبيات عصرنا الحاضر تبدو أكثر من إيجابياته مقارنة بالعصر الجاهلي، الذي كانت إيجابياته الاجتماعية والإنسانية أكثر حضورًا، وأسهمت في ترسيخ قدر من التعايش السلمي بعيدًا عن الغلو والتطرف.
أما عصر التطور، كما يصفه البعض، فهو مليء بالأحداث والوقائع والجرائم المختلفة. وبرغم أننا أهل دين وسماحة وأخلاق وصفات حميدة، إلا أننا نتجاهل كثيرًا من واجباتنا، ونتخاذل وكأن الأمر لا يعنينا.
فقد كثرت في هذا العصر الفتن والمحن، واشتد التناحر بين المسلمين، حتى أصبح المسلم يقتل أخاه المسلم، دون تعظيم للأشهر الحرم أو استحضار لقدسيتها، التي حرم الله فيها الاقتتال وسفك الدماء والخداع وكل ما يناقض السلام والأمان.
لكن دون جدوى، أصبحنا أشبه بألعاب في أيدي الآخرين، يتحكمون في عقولنا وأذهاننا وكياننا، فلا نستطيع السيطرة على زمام أمورنا أو التقليل من الوقوع في المستنقعات الفكرية والأخلاقية، بل وقعنا في فخ تقليد الآخرين وممارسة سلوكياتهم السلبية.
والطامة الكبرى أننا أصبحنا ركامًا أو رمادًا لا يكاد يصلح لشيء، بعد أن كان لنا تاريخ عريق تسوده القوة والعزة والكرامة والفتوحات. وقد استُبدل ذلك بتاريخ حديث الولادة تحت مسمى “عصر التكنولوجيا”.
وصارت كرامتنا ذليلة، وأوطاننا مثقلة بالشوائب والأفكار الدخيلة التي زُرعت بين أجيالنا، حتى فقدنا الكثير من قيمنا، وأصبحت بعض الأجيال تقلد كل ما يأتي من الغرب دون تمييز بين النافع والضار.
ولذلك استطاع الغرب أن يغزونا فكريًا وإعلاميًا وعسكريًا، مستغلًا ضعف إرادتنا وعزيمتنا وتفرقنا، فكان ذلك أحد أسباب تراجعنا وانهيارنا.
فإذا عدنا إلى الماضي، تذكرنا الفتوحات التي قام بها الصحابة الكرام في مشارق الأرض ومغاربها، ناهيك عن الإنجازات الأخرى التي حققوها. فقد استطاعوا نشر الإسلام في بقاع واسعة من العالم، لما تحلوا به من إيمان صادق وتعظيم لحرمات الله.
لكن في زمننا هذا، أصبحت أراضينا هي الأهون، ودماؤنا هي الأرخص، وكرامتنا هي الأضعف، حتى تحولنا إلى ركام تحت الأنقاض.
لقد تغيرت الأحوال والأزمان، وتبدلت المفاهيم، وانصرف كثير من الناس نحو أفكار جديدة لا تخلو من الاستهزاء والسخرية والابتعاد عن الثوابت.
كما تباعدت القلوب، وتحولت الأولويات من المصلحة العامة إلى المصلحة الشخصية، فلم يعد كثير من الأفراد يفكرون إلا في أنفسهم ومظاهرهم وملذاتهم، تاركين أبناء مجتمعاتهم يواجهون الغزو الفكري والأخلاقي دون سند أو حماية.
وفي الحديث بقية، يصعب على المرء أن يحيط بها كاملة، فهي تحتاج إلى مجلدات كثيرة لا تُحصى. فليست المشكلة في غياب الإيجابيات تمامًا، وإنما في تضخم السلبيات وتفاقمها إلى حد كبير.
فسلامًا على كل قيمة نبيلة سادت في الماضي، وسلامًا على الأخلاق التي كانت عنوانًا للكرامة والإنسانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى