مقالات

حين تنكشف أفعالهم الإجرامية في المنابر الأممية

كتب: د. صبري عفيف العلوي

إنه لمن الغباء السياسي والدبلوماسي أن تطلق تصريحاً في أكبر محفل أممي، تطالب فيه بتطبيق تهمة “الخيانة العظمى” ضد شريك سياسي، يطالب بحقوقه السياسية المشرعة في القوانيين الدولية. إن العالم يدرك تماما مضمون تلك التهمة أما شعب الجنوب يعلم أنها التهمة نفسها التي كفّرتم بها أبناء الجنوب في تسعينيات القرن الماضي، فإذا كانت الخيانة اليوم جريمة، فماذا كانت الأمس؟!

لقد قُلْتُها سلفاً: الحمد لله أنه سخر لنا عدوّاً أَبَلَّها، حين يجعل من دمك حلالاً لمجرّد أنك تطالب بمشروعك السياسي المشرَّع دولياً وعرفياً وقيمياً. فهذه التهم — لو شُرِّعت في دول العالم — لارتُكبت مجازر دموية في برشلونة، والصومال، والعراق، وسوريا، وبريطانيا، والاتحاد الأوروبي، ودول الخليج، وفي كل الاتحادات التي تنظمها القوانين والأعراف السياسية والدبلوماسية.

انظروا إلى هذه العقلية الإقطاعية الكهنوتية، التي تجعل من الشراكة مجرّد وحدة إقطاع عسكري، ووحدة قوة وتغلُّب وعصبية وشوكة، ووحدة مكاربة وأقيال وأذواء، وصولاً إلى وحدة الحق الإلهي التي ورثتها الإمامة. إنها عقلية لا تعرف الشراكة إلا هيمنة، ولا تعرف الآخر إلا تبعية.

ها هي دولة “المتوكل على الله إسماعيل” (1644–1676م) ترى في أبناء الجنوب “كفّار تأويل”، وتعتبر أراضيهم خراجية مفتوحة للنهب والفَيْء، لا أراضٍ عُشاريّة لمسلمين. وعلى النهج نفسه سارت الخلافة الإخوانية، فسمّت حروبها على مدن الجنوب “فتحاً” و”توحيداً” و”جهاداً”، وألبستها عباءة التكفير الديني.

وكان الجوهر — من هنا — سياسياً اقتصادياً بحتاً: احتكار السلطة والثروة، وتوسيع النطاق الجيوسياسي، لا أكثر. إنها أيديولوجية سياسية دينية، لا صلة لها بالدين المقدس، بل هي ابنة السياسة والحكم وصراع المصالح، تتوشح بثياب الدين حيثما شاءت المصالح.

وهي لحظة أيديولوجية تاريخية، حرصنا وما نزال نحرص على إعلان وفاتها وزوالها، لولا أن أُعيد إنتاجها في شروط سياسية مغايرة، خلال حرب 1994م، حيث توحّد المسجد بالمعسكر تحت شعار: “الردّة والانفصال”. فالردّة تنطلق من المنابر، والانفصال يُدار من المعسكرات، والخصم السياسي يتحوّل — بقدرة قادر — إلى مرتدّ وكافر في أيديولوجية التكفير.

وهي اللحظة الأيديولوجية التي لم تفارق عقول معظم الساسة والنخب اليمنية حتى اليوم، فما زالوا عاجزين عن الاعتراف الكامل بقضية شعب الجنوب كقضية سياسية، وعن الاعتذار عن ثقافة تمجيد الحروب تحت أي غطاء جهوي أو قبلي أو عسكري أو عقائدي. ذلكم هو العمق التاريخي الكامن في مخيلة الساسة اليمنيين.

وهو المصدر الأيديولوجي التاريخي المفسّر لنظرية “الأصل والفرع”، وعودة الفرع إلى الأصل، والجزء إلى الكل؛ حيث الفرع هو الجنوب، والأصل هو الشمال، كما في العقل السياسي السبئي، والذهنية الإمامية، والذهنية المشيخية القبلية التي ورثت الإمامة. ومن هذا الجذر اشتقت الجماعة الحزبية/الحربية المتطرّفة فقه “الضم والإلحاق”.

وقد عبّر عن ذلك نظام صنعاء السابق على منصة السبعين، في 27 أبريل 1994م، بشعار: “الوحدة أو الموت” و”الوحدة أو الحرب”، وبالشعار العقائدي: حرب “الردّة والانفصال”، وأن الوحدة “فريضة شرعية ودينية إسلامية”. بل أن أحد الدعاة أطلق عليها الركن السادس من أركان الإسلام ، وهنا يكمن الجذر الأيديولوجي السلبي في النظر إلى الجنوب، وفي قراءة قضيته في امتدادها الزمني الحديث والمعاصر.

إن الصراع مع هؤلاء هو صراع وجودي: حياة أو موت، والشواهد على ذلك كثيرة. فمن يزعم غير ذلك فهو واهم. وعلى العالم الحرّ أن يستمع لصوت العقل والحكمة، وأن يعيد النظر في جرائم اليمنيين ضد شعب الجنوب، وأن يعوّضه عن كل الجرائم التي ارتُكبت باسم “الوحدة المقدسة”. فالحقيقة وحدها هي الطريق إلى سلام عادل، والاعتراف بالخطيئة أولى خطوات التوبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى