مقالات

حين كان الذهب يُوزن بالعلم: بغداد التي حلمت بعقول لا بأهداف

كتب: الشيخ أحمد سعيد العمودي

قبل ألف عام في مجالس بغداد لم يكن أحد يسأل عن نتيجة المباراة. لم يكن أحد ينتظر أغنية جديدة. كان السؤال الذي يشغل الناس من ألف كتابا هذا العام، ومن حصل على منصب في بيت الحكمة، وكم بلغت مكافأة العالم الذي انتهى لتوه من شرح بطليموس أو تشريح جسم الإنسان.

في ذلك الزمن كان راتب كبار العلماء في الدولة العباسية يصل إلى مئة وخمسين كيلوغراما من الذهب سنويا. رقم يصيبك بالدهشة اليوم، لكنه كان طبيعيا جدا في عاصمة قررت أن تجعل العقل صناعة قومية. لهذا كان الأب العباسي يحلم بابن فقيه أو طبيب أو فلكي. كان ذلك هو طريق المجد والمال والهيبة. أما اليوم فقد تغير الحلم. صار كثير من الآباء يحلمون بابن لاعب كرة قدم توقعه القنوات، أو مغن يملأ المدرجات. تبدل سلم القيم، وفي بغداد كان السلم واضحا: في القمة يجلس العالم، وتحته الجميع.

بدأت الحكاية مع تأسيس الدولة العباسية في منتصف القرن الثامن الميلادي. ورث الخلفاء عن الإسلام أمرا واضحا أن طلب العلم فريضة. فلم يكتفوا بالخطب. حولوا النص إلى ميزانية. أنشأوا المدارس والمكتبات والمراصد ودفعوا من بيت المال كما يدفع للجيش. وبلغت القصة ذروتها مع المأمون حين أسس بيت الحكمة في بغداد. لم يكن مجرد رفوف كتب. كان جامعة ودار ترجمة ومجمعا علميا ومرصدا. جمعوا فيه تراث اليونان والفرس والهند. واستقدموا المترجمين ودفعوا لهم بسخاء يليق بمهمتهم. يروى عن حنين بن إسحاق أنه كان يأخذ وزن ما يترجمه ذهبا. كتاب وزنه عشرة كيلوات يعود على صاحبه بعشرة كيلوات ذهب. هذه كانت لغة التقدير في ذلك العصر.

المال لم يكن كل شيء. كان للعالم هيبة اجتماعية. هو مستشار الخليفة، وهو قاضي القضاة، وهو طبيب القصر، وهو معلم أبناء الخلفاء. يدخل المجلس فيقوم له الناس. يكتب فتُنسخ كتبه وتوزع من قرطبة إلى سمرقند. يقول ياقوت الحموي في معجم الأدباء إن العلماء كانوا طبقة مصانة. حتى في سنوات ضعف بعض الخلفاء بقيت رواتبهم ومكانتهم. لأن الدولة فهمت باكرا أن هيبتها لا تصنعها السيوف وحدها، بل تصنعها العقول.

لكن الذهب لم يكن يُمنح بلا ثمن. طريق العلم كان طويلا ومرهقا. يبدأ الصبي في الكتّاب بحفظ القرآن، ثم ينتقل إلى المسجد ليتعلم النحو واللغة والحديث. وبعدها تبدأ الرحلة. من البصرة إلى الكوفة إلى دمشق إلى نيسابور. يجلس عند شيخ للفقه وعند آخر للطب وعند ثالث للفلك. الهدف ليس شهادة ورقية بل أن يصبح موسوعة تمشي على قدمين.

ولم تكن الألقاب توزع مجانا. الدولة كانت صارمة. في عهد الخليفة المقتدر بالله قررت بغداد تنظيم مهنة الطب. نادى المنادي أن يحضر كل من يمارس الطب للاختبار. فجاء إلى بغداد تسعة آلاف طبيب من أطراف الدولة ليقفوا أمام لجنة يرأسها سنان بن ثابت. من نجح أخذ إجازة مزاولة، ومن رسب مُنع. دولة تتعامل مع صحة الناس كأمانة، ومع العلم كمسؤولية.

وكان الإنتاج العلمي نفسه يوزن ذهبا. يؤلف العالم كتابه ويعرضه على لجنة. فإن وجدت فيه إضافة حقيقية أمر الخليفة بنسخه على نفقة الدولة وتوزيعه في مكتبات الإمبراطورية. ثم يعطى المؤلف مكافأة توزن بوزن مخطوطته ذهبا. حتى قيل إن بعضهم أثقل كتبه بالحواشي طمعا في الزيادة، فجاءت اللجان ودققت فلم تزن إلا العلم النافع.

والأعجب أن العالم العباسي لم يكن متخصصا في شيء واحد. كان لزاما عليه أن يجمع. ابن سينا طبيب وفيلسوف ورياضي. الخوارزمي رياضي وفلكي وجغرافي. البيروني مؤرخ وجيولوجي وفلكي. الرازي طبيب وكيميائي. لأنهم كانوا يرون العلوم شبكة واحدة. الطب يحتاج حسابا، والفلك يحتاج هندسة، والجغرافيا تحتاج رحلة وعينا ترى.

أنفق العباسيون بلا حساب. بنوا مكتبة بيت الحكمة في بغداد، ودار العلم في البصرة، وخزائن في طرابلس. وظفوا جيشا من الوراقين لنسخ الكتب. وضعوا موازين دقيقة بالدانق والدرهم والرطل والأوقية حتى لا يضيع حق أحد. وثبتوا رواتب للمدرسين والقضاة وأطباء البيمارستانات والفلكيين في المراصد.

والمدهش أن هذا كله صمد قرونا. رغم ضعف بعض الخلفاء ورغم الصراعات، ظل العلم أولوية. لأنهم أدركوا أن ترجمة كتاب أو اختراع دواء أو رسم خريطة هو الذي يجعل الأمم تنظر إلى بغداد كقبلة. يقول ابن خلدون في المقدمة إن العمران لا يزدهر إلا إذا أكرمت الدولة العلم وأهله. وهذا ما فعلوه. فجاءت النتيجة أن طلاب العلم وفدوا إلى بغداد من الأندلس ومن الصين. وترجمت كتب بغداد إلى اللاتينية فصار ابن الهيثم أبا علم البصريات في أوروبا، وصار الخوارزمي اسمه أصلا لكلمة الخوارزمية، وصار ابن النفيس أول من وصف الدورة الدموية الصغرى.

اليوم حين نقارن نشعر بالوجع. ليس لأننا ضد الرياضة أو الفن. لكن الخلل يحدث حين يصبح هذان الحلمان هما الحلم الوحيد، وحين لا يجد الباحث اليوم عشر ما كان يجده عالم الأمس، وحين تصبح الشهرة هي مقياس القيمة لا الإضافة للعقل الإنساني.

العصر العباسي يذكرنا بحقيقة بسيطة. الأمم لا تنهض بالترفيه وحده. تنهض حين يكون العالم هو القدوة، وحين يكون الكتاب أغلى من الذهب، وحين تدفع الدولة بسخاء لمن يفكر لا لمن يستهلك فقط. يوم كان راتب العالم مئة وخمسين كيلو ذهب كانت بغداد عاصمة الدنيا. ويوم صار الحلم في غير العلم بدأنا نتراجع.

لهذا سماه المؤرخون العصر الذهبي. ليس لأن الذهب كان وفيرا فقط، بل لأن العقول كانت أغلى من الذهب. وبقيت الشعلة مضيئة رغم الغزوات لأن الأساس الذي وضعه العباسيون كان متينا.

في النهاية تبقى العبرة التي يتركها لنا التاريخ بسيطة. وهي إن المجتمعات تصنع قدواتها بيدها. إذا رفعت العالم رفعت أمة. وإذا رفعت غيره انحدر الميزان. وتجربة بغداد والتاريخ العباسي شاهدة على أن الاستثمار في العقل هو الاستثمار الوحيد الذي لا يخسر أبداً.

بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي
في العصر العباسي حين كان الذهب يُوزن بالعلم: بغداد التي حلمت بعقول لا بأهداف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى