مقالات

مقهاية زكو في كريتر عدن.. المقهى الذي شربت منه مدينة بأكملها 

كتب: الشيخ أحمد سعيد العمودي

 

في قلب كريتر النابض وتحديدا على يسار مدخل السوق الطويل من جهة الميدان كان هناك مكان صغير في مساحته كبير في معناه يعرفه الصغير والكبير اسمه مقهاية زكو وهي مقهى شعبي أسسه رجل صالح محبوب هو الحاج زكريا محمد إلياس رحمه الله المولود سنة 1888 والمتوفى سنة 1955 وإليه يعود سر الاسم فالناس اختصرت اسمه تحببا فصار زكو

 

تاريخ الميلاد الحقيقي لهذه المقهاية يكتنفه بعض الغموض الجميل فالرواية المتداولة بين كبار السن تقول إنها ظهرت قبل خمسينيات القرن الماضي لكن الصور الفوتوغرافية التي ظهرت لاحقا تكذب هذا التاريخ وتقدم تاريخا أقدم بكثير فهناك صورة واضحة جدا مؤرخة سنة 1930 تظهر المقهاية عامرة بالكراسي والزبائن وهذا يعني بالحساب البسيط أنها كانت موجودة قبل ذلك بسنوات طويلة لذلك يذهب المؤرخون المنصفون إلى أن التأسيس الأقرب للصواب كان في حدود سنة 1910 أي أنها عاشت أكثر من مئة عام وهي بذلك تدخل في قائمة أقدم المقاهي في الجزيرة العربية والخليج وعدن

 

عائلة زكو ليست عائلة عادية في عدن بل هي عائلة عدنية راقية عريقة ساهمت في صناعة الوجه الحضاري لمدينة عدن ومن رحم هذه العائلة خرجت أسماء لامعة تركت أثرا لا يمحى منهم رجل الأعمال المعروف إسماعيل زكريا ومنهم رجل الأعمال إبراهيم زكريا ومنهم السيدة الفاضلة القاضية والمحامية حميدة زكريا التي تعتبر من الرائدات في سلك القضاء في اليمن ومنهم الكابتن الطيار صديق زكريا الذي حلق باسم عدن في سماوات كثيرة ومنهم المخرجة المبدعة أمينة زكريا ومنهم الصحفي والمؤرخ القدير محمد زكريا الذي كتب عن عدن بقلبه قبل قلمه رحم الله من مات منهم وحفظ الله من بقي

 

ما الذي جعل مقهاية زكو مختلفة عن أي مقهى آخر الجواب هو وظيفتها الاجتماعية كانت المقهاية برلمانا شعبيا مفتوحا وصالونا ثقافيا يوميا ونقابة عمالية مصغرة ومدرسة أدبية وفنية وملتقى للغرباء والقادمين من البحر فلم يكن غريبا أن ترى في نفس اللحظة أديبا يكتب قصيدة على ورقة شاهي وعاملا في الميناء يتحدث عن حقوق العمال وطالبا يراجع كتابه المدرسي وتاجرا يحسب أرباحه وبحارا هنديا يشرب شاهيه بصمت وصحفيا يبحث عن خبر ساخن وسياسيا يهمس بخبر عن مظاهرة قادمة لقد كانت عدن كلها تجلس على كراسي زكو

 

في تلك السنوات الذهبية من أوائل القرن العشرين حتى منتصفه كانت عدن تعيش عصرا ذهبيا لم تعرف له مثيلا في المنطقة العربية كانت ميناء حرا عالميا ومركزا تجاريا وثقافيا وفنيا وأدبيا وكانت مقهاية زكو في قلب هذا العصر هي القلب داخل القلب لم تكن مكانا للعزلة بل كانت جزءا من النسيج الحي للمدينة تمتزج فيها رائحة الشاهي برائحة الحبر والورق ورائحة البحر ورائحة النضال من أجل الحرية

 

أما قائمة الشاهي في مقهاية زكو فكانت قاموسا عدنيابامتياز يفهمه كل عدني أصيل كان هناك الشاهي المحوج المطعم بجوز الطيب وهذا كان شاهي الكيف والمزاج الرايق وكان هناك الشاهي العصملي الثقيل جدا المركز الذي يشربه البحارة وأصحاب المزاج القوي والذين يحبون أن يصحصحوا بسرعة وكان هناك الجرو وهو شاهي خفيف بلبن كثير يناسب الصباح الباكر وكان هناك شاهي نص نص أي نصف قلص لمن لا يريد أن يكثر وكان هناك شاهي دبل أي قلص مملوء إلى آخره لمن يريد أن يعدل رأسه تماما وكان القلص هو البطل الحقيقي وهو الكأس الزجاجي الصغير الشفاف الذي يحمل في داخله كل أسرار الشاهي العدني

 

ولم يكن الشاهي وحده هو سر الشهرة بل كان هناك نجمان آخران في المقهى هما الملاي والآيسكريم فالملاي هي القشطة البلدي الخالصة التي تتكون على وجه الحليب المغلي وكانت تقدم في صحون صغيرة مع الخبز الحامي وكانت وجبة فطور كاملة للعمال قبل ذهابهم إلى الميناء وأما الآيسكريم فكان يصنع بطريقة يدوية شاقة في برميل خشبي يوضع فيه الثلج والملح ويحرك الخليط يدويا لساعات حتى يتجمد وكان طعمه لا يقارن بآيسكريم اليوم لأنه كان مصنوعا بالحب والتعب

 

موقع المقهاية كان ذكيا جدا فهي تقع على يسار مدخل السوق الطويل من جهة الميدان وهذا يعني أن كل داخل إلى السوق لا بد أن يراها وكل خارج من السوق لا بد أن يمر بها فكانت محطة استراحة إجبارية لكل المتسوقين والمارة

 

ثم دارت الأيام وتغيرت عدن وتغير كل شيء فبعد وفاة المؤسس الحاج زكريا رحمه الله حاول الأبناء الحفاظ على المكان لكن رياح التغيير كانت أقوى ففي السبعينيات والثمانينيات بدأت تظهر المطاعم الحديثة وتراجعت ثقافة المقاهي الشعبية فتحولت المقهاية إلى مطعم شعبي ثم تحولت إلى معرض لبيع الملابس الجاهزة ثم تحولت في آخر فصولها إلى محل صرافة للعملات

 

واليوم إذا مررت من أمام ذلك المحل الصغير في كريتر وسألت أي رجل مسن أين كانت مقهاية زكو سيشير بيده إلى المكان وتلمع عيناه بالدموع ويقول لك هنا كنا نجلس وهنا شربنا الشاهي وهنا سمعنا خبر الاستقلال وهنا ضحكنا وبكينا وتعلمنا معنى أن تكون عدنيا

 

رحم الله تلك الأيام ورحم الله الحاج زكريا وكل رواد مقهاية زكو التي ستبقى في ذاكرة عدن كأجمل مقهى شربت منه مدينة بأكملها.

بقلم ✍🏻 الشيخ أحمد سعيد أحمد عمر العمودي كريتر عدن 2013م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى