الوفد الجنوبي في الرياض: هل ما زال موحَّدًا في مطالبه التي كان عليها قبل أحداث يناير الدامية؟

بقلم: د. أمين العلياني
السبت 19 سبتمبر 2026
لم يعد السؤال اليوم: ماذا تريد الرياض من الحوار الجنوبي؟ بل أصبح السؤال أكثر عمقًا وإلحاحًا: ماذا بقي من وحدة الموقف الجنوبي داخل وفد الرياض نفسه؟ فالوقائع التي أعقبت أحداث يناير غيّرت كثيرًا من موازين القوة السياسية والعسكرية، منذ أن بدأت الرياض بضرب قوات المجلس الانتقالي، وفقًا للرواية السعودية حفاظًا على الأمن القومي، ورواية الشرعية للحفاظ على مركزها القانوني، ثم تلاها صراعٌ على شرعية التمثيل والقرار، وصولًا إلى إعلان شخصياتٍ من قيادة المجلس في الرياض حلَّه في 9 يناير، وهو إعلانٌ رفضته لاحقًا قيادةُ المجلس الانتقالي ومؤسساتُه وملايينُ الشعب في الداخل، مؤكدةً أن الوفد لم يكن مخوَّلًا باتخاذ قرارٍ يمسُّ وجودَ المجلس، والمجلسُ محميٌّ بإرادة شعبٍ خرجت الملايينُ منه في احتجاجاتٍ ضد تلك التصرفات التي مست كيانَ الشعب السياسي.
ومن هنا تبدأ المسألة الأخطر؛ فالرياض قدّمت مشروعها بوصفه حوارًا جنوبيًّا شاملًا يضم مختلف المكونات، وتعهّدت بأن يشارك فيه أبناءُ المحافظات الجنوبية دون إقصاء، وأن تُدعَم مخرجاته في المسار السياسي اليمني الشامل؛ لكن السؤال الذي لا ينبغي القفز فوقه هو: هل يؤدي توسيع التمثيل إلى توحيد قضية شعب الجنوب، أم يمكن أن يتحول إلى إعادة توزيع لمركز القرار الجنوبي؟
فثمة فرقٌ بين حوارٍ يجمع الجنوبيين لتوحيد رؤيتهم، وحوارٍ يعيد إنتاج قضية الجنوب السياسية العادلة في صورة كياناتٍ متعددةٍ متجاورة، بحيث يصبح الاتفاق على أصل القضية أقلَّ وضوحًا، ويصبح الخلاف على التمثيل أكثر حضورًا.
وهنا تبرز المؤشرات التي تستحق التدقيق: تعددُ الأطر والمجالس والتنسيقيات، عودةُ أسماءٍ وتكويناتٍ كانت حاضرة في مراحل سابقة من تاريخ الحراك الجنوبي، وتباينُ الخطابات بين شخصياتٍ وقوى مشاركة في المسار. وهذه الظواهر، إن استمرت، قد تنقل الحوار من البحث عن رؤية جنوبية موحَّدة إلى صراعٍ على من يملك حق تعريف الجنوب وتمثيله، وهذا هو جوهر المسألة.
فالمجلس الانتقالي استطاع خلال السنوات الماضية أن يجمع جزءًا واسعًا من الفاعلية السياسية والعسكرية الجنوبية داخل إطار واحد، وطرح الميثاق الوطني الجنوبي بوصفه محاولةً لصياغة أرضية سياسية مشتركة، وقد أشار المجلس نفسه إلى أن الحوار الذي رعته السعودية أفضى إلى إلغاء المجلس وتجاوز إقرار الميثاق عام 2023.
أما اليوم، فإن الخطر لا يكمن في تعدد الأصوات بحد ذاته؛ فالتعدد السياسي ليس عيبًا، وإنما يكمن في أن يتحول التعدد إلى تفكيكٍ للثوابت، أو إلى تنازعٍ على أصل القضية، أو إلى استبدال مشروعٍ سياسيٍّ جامعٍ بمصفوفةٍ من الكيانات المتنافسة.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر صراحة: هل لا يزال وفد الرياض يتحرك بالمطالب الجنوبية ذاتها التي حملها قبل يناير، أم أن قواعد اللعبة تغيّرت، وأن ما يُطرح الآن هو جنوبٌ متعدد المراكز، منزوعُ القدرة على إنتاج قيادةٍ سياسيةٍ واحدةٍ وقرارٍ عسكريٍّ وأمنيٍّ موحَّد؟ فالحديث عن توحيد القوات تحت قيادةٍ وعملياتٍ مشتركة يمكن أن يكون خطوةً مؤسسيةً إذا جرى على قاعدةٍ جنوبيةٍ واضحة؛ لكنه يصبح مسألةً سياسيةً مختلفة تمامًا إذا استُخدم لتفكيك القوى التي راكمت حضورها على الأرض وإعادة توزيعها وفق ترتيباتٍ لا تعبّر عن توازنات الجنوب الداخلية.
والأخطر من ذلك أن يتحول شعار الحوار الجنوبي الجنوبي من وسيلةٍ لتقريب المختلفين إلى وسيلةٍ لإعادة تعريف القضية نفسها.
لقد قيل عند إطلاق المسار إن سقف القضية الجنوبية هو السماء، وهذه عبارةٌ كبيرة، لكنها تحتاج اليوم إلى اختبارٍ عملي: ما الذي سيبقى ثابتًا عندما يصل الحوار إلى جوهر القضية؟ وهل سيظل حقُّ الجنوبيين في تقرير مستقبلهم السياسي حاضرًا بوضوح؟ وهل ستظل المخرجات متصلةً بالميثاق والثوابت التي توافق عليها الجنوبيون؟ وهل سيكون تعدد المكونات وسيلةً لتوسيع التمثيل، أم أداةً لتفكيك مركز القرار؟
وهل سيعود الوفد من الرياض برؤيةٍ جنوبيةٍ أكثر وحدةً، أم بمشهدٍ سياسيٍّ أكثر تشظيًا؟
وهذه ليست أسئلةً ضد الحوار؛ بل هي شروط نجاحه إن كان حوارًا أصلًا؛ فالجنوب لا يحتاج إلى حوارٍ يضيف عشرات العناوين إلى خريطته السياسية، وإنما إلى حوارٍ يخفف التناقضات ويجمع المختلفين حول ثوابت واضحة. ولا يحتاج إلى إعادة إنتاج الانقسامات القديمة التي أرهقت الحراك الجنوبي منذ انطلاقه، بل إلى صياغةٍ سياسيةٍ تتجاوز تلك التجربة بدل أن تستعيدها.
والمشكلة ليست في أن يتعدد الجنوبيون؛ بل المشكلة حين يصبح تعددهم مدخلًا لإلغاء قدرتهم على الاتفاق.
وإذا كانت الرياض تريد فعلًا حلًّا عادلًا للقضية الجنوبية، فإن الاختبار الحقيقي ليس عددَ الشخصيات التي ستجلس حول الطاولة، بل قدرتَها على الخروج من الطاولة برؤيةٍ جنوبيةٍ موحدةٍ لا تُفرَّغ من مضمونها، ولا تُجزَّأ إلى مكونات، ولا تُعاد صياغتها بما يجعل الجنوب طرفًا في قضية نفسه بدل أن يكون صاحب الحق في تحديد مستقبله.
فالسؤال الذي سيبقى معلقًا فوق الرياض ليس: من حضر الحوار؟
بل: هل خرج الجنوب منه أكثر وحدةً في قضيته، أم أكثر انقسامًا في تمثيله؟
وهنا تحديدًا يتحدد معنى عبارة الحوار الجنوبي الشامل: هل هو طريق إلى توحيد الإرادة الجنوبية، أم طريق إلى إعادة توزيعها؟
ومن هنا أجزم بأن الرياض تتعمد تمزيق الجنوب بوصفه حقيقةً ثابتة؛ بل والأدق يقينًا أن يُطرح ذلك كقراءةٍ للاستراتيجية ومؤشراتٍ عليها، خصوصًا أن الخطاب السعودي المعلن يقول إن الهدف هو جمع الجنوبيين والوصول إلى حلولٍ عادلة، لكن ما تعمله على الأرض صار شيئًا مختلفًا تمامًا: لا عدالةَ ولا وحدةَ صفٍّ ولا مشروعَ واضحَ لحل قضية شعب الجنوب، بل جعلت الوفدَ — كما أرى — منقسمًا على أربعة أقسام، وهذه حقيقةٌ تتراءى للمتأمل وصارت واضحةً للعيان.
