مقالات

ساسة الجنوب اليوم: بين خيارات الشعب وتطلعاته وتمثيل المجالس والمكوّنات الملتفة عليها

بقلم / د. أمين العلياني
الأحد 20 سبتمبر 2026

ثلاثة عقودٍ ونيف مرّت على الجنوب منذ حرب 1994م حتى اليوم، ولم تكن السنوات المتتالية مجرد زمنٍ مضى، بل كانت مسارًا طويلًا من الرفض السياسي والاجتماعي والشعبي للواقع الذي أفرزته الحروب على الجنوب وشعبه من المحال اليمني. فمن محاولات إصلاح مسار الوحدة، إلى حتم وموج ثم حركة تاج، مرورًا بجمعية المتقاعدين والمسرّحين قسرًا إلى الحراك الجنوبي السلمي ومكوّناته المتناحرة على التمثيل، ثم المقاومة الجنوبية التي تأسست لمجابهة غزاة حرب 2015، تدرّجت الفكرة الجنوبية من احتجاجٍ على واقعٍ مفروض إلى مشروعٍ سياسي تتسع قاعدته وتتعاظم كلفته البشرية والوطنية.

وفي سياق هذا التراكم، ظهر المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه أبرز الأطر السياسية التي جمعت قوى ومكوّنات جنوبية متعددة، وتحوّل مع الوقت إلى طرف سياسي وعسكري حاضر في المشهد بقوة، مستندًا إلى قاعدة شعبية واسعة بحسب الإرادة الشعبية الملتفة حوله، وإلى ما راكمه الجنوب من تضحيات ونضالات خلال سنوات طويلة.

لكن التحول الأخطر لم يكن في نشوء المكوّنات أو تعددها، بل في السؤال الذي يطل اليوم من خلف المشهد كله: هل تُقاس قضية شعب الجنوب بعدد المجالس والمكوّنات التي تتحدث باسمها، أم بقدرة أي إطار سياسي على التعبير عن الخيار العام للجنوبيين؟
هذا السؤال اكتسب ثقله بعد أحداث يناير 2026، التي شهدت تطورات عسكرية وسياسية حادة بدأت بضرب قوات المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة واقصاء قيادته من الرئاسي، ثم تحت ضغوط سعودية تم إعلان قيادات من المجلس في الرياض حل المجلس الانتقالي وهيئاته، في التاسع من يناير، تمهيدًا لمسار مؤتمر جنوبي شامل برعاية سعودية. وفي المقابل، أعلنت قيادة المجلس الانتقالي في الداخل والشعب معها رفض فكرة الحل المفروض على الوفد، مؤكدًا استمرار المجلس وممارسة مهامه من عدن، كما شهدت عدن احتجاجات رافضة للحل.

وهنا تبدأ المسألة الأكثر تعقيدًا؛ فحين تتعدد المجالس الجنوبية، وتتشكل الأطر التنسيقية والواجهات الاجتماعية والسياسية على أساس المحافظات والمناطق والفئات، قد يبدو المشهد في ظاهره أكثر شمولًا وتمثيلًا؛ غير أن الشمول العددي لا يعني بالضرورة تمثيلًا سياسيًا للقضية نفسها؛ فثمة فارق بين تعدد الأصوات داخل القضية، وبين تحويل القضية ذاتها إلى مجموعة أصوات متنافسة على تعريفها وتمثيلها.

والقضية السياسية الكبرى لا تصبح أكثر عدالة لمجرد أن عدد المتحدثين باسمها ازداد؛ كما أن توزيع المقاعد بين المحافظات والمكوّنات لا يحسم وحده سؤال: ما الذي يريده شعب الجنوب سياسيًا؟ لأن التمثيل الاجتماعي شيء، والتمثيل السياسي للمشروع شيء آخر.

وقد يكون لكل محافظة خصوصيتها، ولكل منطقة مصالحها، ولكل مكوّن حقه في التعبير عن رؤيته؛ وهذه حقيقة لا ينبغي تجاوزها؛ لكن تحويل هذه التعددية إلى بديل عن السؤال السياسي المركزي قد يقود، من حيث لا يُراد، إلى نقل القضية من سؤال المصير السياسي إلى سؤال الحصص والوظائف والمقاعد والتمثيل الجغرافي. وهنا تكمن المفارقة؛ فإذا أصبح الخلاف الجنوبي يدور حول: من يمثل حضرموت؟ ومن يمثل شبوة؟ ومن يمثل عدن؟ ومن يمثل المهرة؟ ومن يمثل أبين ولحج والضالع؟ فإن السؤال الأكبر قد يتراجع خلف هذه الأسئلة الجزئية: ما هو الخيار السياسي الذي يجتمع عليه شعب الجنوب؟ وهذا لا يعني أن المجالس والمكوّنات لا قيمة لها، بل يعني أن قيمتها السياسية تظل مرتبطة بقدرتها على التعبير عن الإرادة العامة، لا بإمكان تحويلها إلى بدائل عنها.

ومن فأحداث يناير قد أظهرت أن مسألة تمثيل الجنوب ليست شأنًا تنظيميًا بسيطًا؛ فالإعلان عن حل المجلس في الرياض قابله رفض من قيادات وأطر داخلية، وترافقت التطورات مع مظاهرات في عدن رفضت الحل؛ وهو ما يكشف بوضوح أن أي قرار سياسي يتعلق بمستقبل التمثيل الجنوبي لا يمكن اختزاله في بيان يصدر من الخارج، ولا في ترتيب نخبوي يجري بعيدًا عن الشعب وإرادة الحرة، تلك الإرادة التي هي صمام أمان المشروع السياسي وهي من تمنح المقاتل عقيدته الوطنية. ومن هنا يصبح الشعب هو المرجعية النهائية في سؤال الشرعية التمثيلية للجنوب، لا بمعنى إلغاء المكوّنات أو مصادرة حقها في العمل السياسي، وإنما بمعنى أن شرعية أي تمثيل يجب أن تُقاس بمدى اتصاله بالإرادة الشعبية وبقدرته على التعبير عنها بصورة حرة وواضحة؛ فالجنوب ليس مجرد خريطة من المحافظات حتى يكون تمثيله حاصل جمعٍ حسابيٍّ بينها، وليس قبائل ومناطق حتى تُختزل قضيته في توزيعٍ متوازنٍ للمقاعد، وليس نخبًا سياسية حتى يصبح مستقبله نتيجة تفاوضٍ مغلق بينها، بل إنه، قبل ذلك كله، قضية سياسية تشكّلت عبر عقود، وتراكمت حولها تضحيات ومواقف وتجارب ومطالب، ثم جاءت المكوّنات السياسية لتكون أدواتٍ لخدمة تلك القضية كما مثلها المجلس الانتقالي، لا لتصبح القضية ذاتها كما في تمثيل المجالس التنسيقية.
ولهذا فإن الاختلاف بين الساسة الجنوبيين ينبغي ألا يتحول إلى معركة على احتكار الجنوب، ولا إلى وسيلة لإقصاء مكوّن لحساب آخر، ولا إلى هندسةٍ سياسية تجعل التعدد ذريعةً لإلغاء أصل المطالب السياسية؛ فالمجالس قد تتغير، والمكوّنات تتبدل، والقيادات تصعد وتهبط، أما الإرادة الشعبية فهي التي ينبغي أن تبقى فوق الجميع.
ومن يريد بناء تمثيل جنوبي جديد، فالبداية الصحيحة ليست من السؤال: من يحصل على المقعد؟ بل من السؤال الأعمق: ماذا يريد شعب الجنوب، وكيف يمكن أن يُعبَّر عن إرادته بصورة حرة وشفافة وعادلة؟
وعندها فقط يصبح تعدد المكوّنات إثراءً للقضية لا تفكيكًا لها، ويصبح الحوار وسيلةً لتوحيد الإرادة لا لإعادة تعريفها، ويصبح اختلاف الساسة اختلافًا في الوسائل لا نزاعًا على أصل الحق؛ فالسياسة قد تتسع لعشرات المجالس، لكن القضية لا تحتمل أن تُجزَّأ إلى عدد المجالس التي تتحدث باسمها.
والفارق بين الأمرين هو الفارق بين أن يكون الجنوب صاحب قضية، وأن تتحول قضيته إلى قضية ساسة يتنافسون على تمثيلها.
وفي النهاية، حين يتعارض تمثيل النخب مع الإرادة الشعبية، لا ينبغي أن تكون النخب هي التي تعرّف الشعب؛ بل الشعب هو الذي يحدد من يمثله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى