الانضباط الوظيفي في زمن الطوابير.. لا تجعلوا الحرب عذراً للغياب

بقلم: د. مسعود عمشوش
أثار الحديث عن ضرورة تفعيل البصمة في المدارس الحكومية، وضبط حضور المعلمين وانصرافهم، قضية تتجاوز حدود المدرسة والتعليم بكثير. فالمشكلة ليست مشكلة معلمين وحدهم، وإنما مشكلة انضباط وظيفي في مؤسسات القطاع العام كلها.
صحيح أن التعليم يحتاج إلى ضبط الحضور، لأن غياب المعلم أو تقاعسه ينعكس مباشرة على الطالب، لكن الطبيب والمهندس والإداري والموظف والعامل في أي مؤسسة حكومية يتقاضى راتبه من المال العام، وكل واحد منهم مطالب بالحد الأدنى نفسه من الالتزام.
وفي المقابل، لا يمكن أن نتحدث عن الانضباط الوظيفي في عدن ومحافظات الجنوب الأخرى وكأن الموظف يعيش في ظروف طبيعية.
نحن نتحدث عن موظف لا يتجاوز مرتبه ٨٠ دولار يعيش في مدن أنهكتها الحرب، وعن خدمات مضطربة، وانقطاعات كهرباء ومياه، وأزمات في الغاز والخبز والمواصلات، عن موظف قد يقضي ساعات طويلة في طابور للحصول على أسطوانة غاز أو احتياجات أساسية لأسرته، ثم يجد نفسه مطالباً في اليوم التالي بالوصول إلى عمله في الموعد وكأن شيئاً لم يحدث.
هذه الظروف لا يجوز تجاهلها.
لا يمكن أن نعاقب الموظف على أزمة لم يصنعها.
لكن الاعتراف بصعوبة الظروف لا يعني تحويلها إلى مبرر مفتوح للغياب والتأخر والتسيب.
هناك فرق بين الموظف الذي يتأخر بسبب ظرف قاهر، والموظف الذي يجعل التأخر عادة. وهناك فرق بين الغياب المبرر، وبين أن يصبح الحضور إلى المؤسسة الحكومية مسألة اختيارية.
المطلوب إذن ليس انضباطاً مثالياً في ظروف غير مثالية، وإنما حد أدنى من الانضباط لا يمكن أن تسقطه الحرب.
فإذا كان المعلم مطالباً بأن يكون في فصله، والطبيب في المستشفى، والموظف في مكتبه، والعامل في مرفقه، فإن ذلك ليس تشدداً إدارياً، بل هو أبسط معنى للوظيفة العامة.
ومن هنا تأتي أهمية البصمة، ليس باعتبارها عقوبة، وإنما باعتبارها وسيلة لمعرفة من حضر ومن غاب، ومتى بدأ الدوام ومتى انتهى.
لكن البصمة وحدها لا تصنع الانضباط.
يمكن أن يبصم الموظف صباحاً ثم يختفي بقية اليوم، ويمكن أن يكون موجوداً في المبنى لكنه لا يؤدي العمل المطلوب منه. ولذلك فإن القضية ليست مجرد جهاز إلكتروني عند باب المؤسسة، وإنما نظام كامل للحضور والمراقبة والثواب والعقاب.
وهذا ما ينبغي أن ينطبق على جميع مؤسسات الدولة، لا على المدارس وحدها.
فليس من المنطقي أن نطالب المعلمين بالانضباط، بينما نتسامح مع غياب موظفين في مؤسسات حكومية أخرى. وليس من العدالة أن يخضع الموظف الملتزم للرقابة، بينما يحصل موظف آخر على راتبه رغم غيابه المتكرر.
وينبغي مراجعة التفريغات والتكليفات بصورة مؤسسية، ومعرفة أسبابها ومددها والجهات التي أقرتها، بعيداً عن المجاملة والمحسوبية.
أما القطاع الخاص، فغالباً ما يكون أكثر صرامة في مسألة الحضور والغياب، لأن استمرار المؤسسة مرتبط مباشرة بأداء العاملين فيها. لذلك لا تحتاج مؤسساته عادة إلى كثير من الإجراءات لإلزام الموظف بالدوام، فالتقصير ينعكس سريعاً على العمل. والمطلوب من القطاع العام ليس تقليد القطاع الخاص، وإنما إيجاد نظام واضح يجعل للحضور والعمل قيمة، وللغياب والتقصير تبعات.
وهذا هو جوهر المشكلة في القطاع العام: حين ينفصل الراتب عن الأداء، ويصبح الغياب بلا تبعات، يفقد الدوام معناه.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول الحديث عن الانضباط إلى حملة اتهام جماعية للموظفين. ففي مؤسساتنا الحكومية آلاف الموظفين والمعلمين والأطباء والعاملين الذين يذهبون إلى أعمالهم يومياً رغم صعوبة الظروف، ويؤدون واجباتهم بإخلاص، وهؤلاء يستحقون التقدير لا التشكيك.
بل إن الموظف الملتزم نفسه يتضرر عندما يرى زميله الغائب يحصل على الراتب والامتيازات نفسها دون أن يؤدي العمل نفسه.
ومن هنا فإن الإصلاح الحقيقي لا يكون بالعقاب وحده، وإنما بإعادة التوازن بين الحق والواجب: تراعي الدولة ظروف موظفيها، وتوفر لهم ما تستطيع من بيئة عمل مناسبة، وفي المقابل يلتزم الموظف بواجبه في حدود الممكن.
نحن لا نريد بصمة لمجرد البصمة، ولا نريد عقاباً لمجرد العقاب.
نريد مؤسسة تعرف من يعمل فيها، ومن يتغيب، ومن يستحق المكافأة، ومن يستحق المساءلة.
نريد أن يصبح الحضور له قيمة، والغياب له مبرر، والتقصير له تبعات، والإخلاص له تقدير.
فإذا أردنا إصلاح التعليم، فلنبدأ بالانضباط.
وإذا أردنا إصلاح الصحة والإدارة والجامعات والمؤسسات العامة، فلنبدأ بالانضباط أيضاً.
لا تجعلوا الحرب عذراً لإعفاء الموظف من واجبه، ولا تجعلوا الانضباط ذريعة لمعاقبته على ظروف لم يصنعها
وقبل ذلك .. نقول : يا حكومة اسرعي وانصفي المعلمين والموظفين الذين يعملون فعلا والتوقف عن إنهاك البنك المركزي بحوالات الإعاشة إلى القاهرة واسطنبول وبلاد الواق الواق.
