مقالات

الـ14 من أكتوبر.. مناسبة ندعو من خلالها قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي إلى توسيع علاقاتها مع الإقليم والعالم

بقلم: د. فؤاد علي ناصر الحاج

 

تمثل الذكرى الثالثة والستون لثورة 14 أكتوبر مناسبة وطنية مهمة، ليس للاحتفاء بالماضي فحسب، بل لفتح نقاش جاد حول الحاضر واستحقاقات المستقبل، وطرح أسئلة المرحلة التي تتطلب قراءة مختلفة للواقع، وفهمًا أعمق لتحولاته، ورؤية أوسع للعلاقات وموازين القوى.

 

فلكل مرحلة ظروفها الموضوعية والذاتية، وقوانين حركتها، وشبكة علاقاتها، وأدوات التعامل معها. وما كان ممكنًا بالأمس قد لا يكون ممكنًا اليوم، وما كان مناسبًا لمرحلة تاريخية قد لا يصلح لمرحلة أخرى. لذلك، فإن مسؤولية الحاضر تقتضي أن نفكر بعقلية علمية تستوعب اختلاف الأزمنة، وتتعامل مع الواقع كما هو، لا كما نرغب أن يكون.

 

ومن هذا المنطلق، أدعو قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي إلى اتخاذ هذه المناسبة مدخلًا لمراجعة خريطة علاقاتها الإقليمية والدولية، والعمل على توسيعها وتنويعها، بما يعزز حضور قضية شعب الجنوب العربي، ويوسع خياراتها السياسية والدبلوماسية.

 

إن العلاقات القائمة تمثل جزءًا من المشهد، لكنها لا ينبغي أن تكون سقفًا للحركة السياسية. فالعالم أوسع من دائرة واحدة، والسياسة تتطلب معرفة متجددة بمصالح الدول، وفهمًا لاختلاف مواقفها، وقدرة على بناء مساحات مشتركة معها.

 

ومن هنا تبرز أهمية فتح قنوات تواصل فاعلة مع مصر وقطر وسلطنة عُمان، وتطوير العلاقات مع سائر دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب الانفتاح على الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي، وسائر القوى المؤثرة في النظامين الإقليمي والدولي.

 

ولا تقوم هذه الدعوة على افتراض تطابق مواقف تلك الدول أو مصالحها، بل على ضرورة التعامل مع كل طرف وفق خصوصية دوره ومصالحه، واستكشاف فرص الحوار والتعاون، وإيصال رؤية الجنوب العربي إلى دوائر أوسع من التأثير السياسي والدبلوماسي.

 

فليس المطلوب استبدال علاقة بأخرى، ولا التخلي عن شراكات قائمة، بل الانتقال من محدودية الخيارات إلى تعددها، ومن انتظار المبادرات إلى المبادرة بالتواصل، ومن الاكتفاء بإدارة العلاقات المتاحة إلى العمل على بناء علاقات جديدة تستجيب لتحولات المرحلة.

 

وهذا المسار لا يتحقق بمجرد إعلان الرغبة في الانفتاح؛ بل يحتاج إلى خطاب سياسي واضح، وملفات دبلوماسية مدروسة، وكفاءات قادرة على التواصل والتفاوض، ورؤية تحدد ما نريده من علاقاتنا الخارجية وما يمكن أن نبنيه من مصالح مشتركة.

 

وفي هذا السياق، أقترح تأسيس مركز العقول والرؤى للدراسات الاستراتيجية واستشراف المستقبل، ليكون مؤسسة متخصصة في قراءة المتغيرات، وتحليل شبكة العلاقات الإقليمية والدولية، ورصد التحولات في مواقف القوى المؤثرة، وتقديم البدائل والتوصيات التي تساعد على اتخاذ قرارات تستند إلى المعرفة والتقدير العلمي.

 

إن بناء المستقبل لا يبدأ من كثرة العلاقات وحدها، بل من القدرة على فهمها وإدارتها، وتحويل التواصل السياسي إلى فرص، والفرص إلى مصالح مشتركة، والمصالح إلى مساحات أوسع لخدمة تطلعات شعب الجنوب العربي.

 

إن الاحتفال بالذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر يتيح لنا مناسبة لطرح سؤال الحاضر والمستقبل: هل نكتفي بإدارة علاقاتنا ضمن المسارات القائمة، أم نعمل على توسيعها وفق رؤية تستوعب تحولات الإقليم والعالم؟

 

إنها دعوة إلى قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي لتوسيع دائرة حركتها السياسية والدبلوماسية، والانفتاح على الإقليم والعالم بعقلية استراتيجية تدرك أن لكل مرحلة شروطها وأدواتها، وأن امتلاك القضية العادلة ينبغي أن يصاحبه عمل سياسي مؤسسي قادر على إيصالها إلى العالم وبناء العلاقات التي تخدمها.

 

فالمناسبة تمر، لكن ما يمكن أن تفتحه من آفاق سياسية واستراتيجية قد يمتد أثره إلى المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى