كيف تعاملت بريطانيا مع المقيمين الإيطاليين في عدن عشية دخول ايطاليا الحرب العالمية الثانية؟
قراءة في الوثائق البريطانية وكتابات فريا ستارك

بقلم: صالح الفضلي
لم يكن وجود الجالية الإيطالية في عدن خلال ثلاثينيات القرن العشرين مجرد ظاهرة اجتماعية أو تجارية في مدينة/ميناء متعددة الجنسيات؛ فقد ارتبط هذا الوجود بتنافس استعماري متصاعد بين بريطانيا وإيطاليا على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي وجنوب الجزيرة العربية. وكانت عدن، بحكم موقعها الاستراتيجي، إحدى أهم نقاط الارتكاز البريطانية لحماية طرق الملاحة إلى الهند ومراقبة التحركات الإيطالية في الضفة الأفريقية المقابلة.
ومع تصاعد الأزمة الإيطالية الإثيوبية عام 1935، ثم اندلاع الحرب العالمية الثانية في سبتمبر 1939، وصولًا إلى إعلان إيطاليا دخول الحرب ضد بريطانيا في 10 يونيو 1940، أخذت السلطات البريطانية تنظر إلى المقيمين الإيطاليين في عدن من زاوية أمنية متزايدة. وأصبح السؤال الذي يواجه الإدارة الاستعمارية هو: كيف يمكن التوفيق بين استمرار الحياة المدنية والتجارية في مستعمرة حيوية، وبين المخاوف من الاختراق الاستخباراتي أو التخريب أو استغلال بعض المقيمين صلاتهم بإيطاليا؟
وتتيح لنا الوثائق البريطانية المحفوظة ضمن سجلات مكتب الهند، إلى جانب كتابات الرحالة والكاتبة البريطانية فريا ستارك، الاقتراب من هذه المسألة، وإن كانت الأدلة المتاحة لا تسمح بعد بإعادة بناء جميع تفاصيل الاعتقال والاحتجاز أو تحديد أعداد الإيطاليين الذين شملتهم الإجراءات.
ولم تكن المخاوف البريطانية مقتصرة على احتمال وقوع مواجهة عسكرية مباشرة، بل شملت أيضًا تأثير الدعاية الإيطالية، وتحركات الأجانب، والاتصالات التجارية والسياسية التي قد تتصل بمصالح الدولة الإيطالية.
ويقدم فهرس الأرشيف البريطاني دليلًا مباشرًا على هذا التحول؛ إذ يسجل ملفًا بعنوان (فرض قيود على الرعايا الإيطاليين المقيمين في عدن)، تحت المرجع IOR/L/PS/12/1535. وتغطي الوثيقة الفترة من 6 أكتوبر 1935 إلى 9 أبريل 1936.
وتكمن أهمية هذا الملف في أنه يثبت أن مسألة تقييد حركة الإيطاليين أو نشاطهم في عدن طُرحت رسميًا قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية بأكثر من ثلاث سنوات. وبذلك لم تبدأ الشكوك البريطانية تجاه المقيمين الإيطاليين فجأة في يونيو 1940، وإنما سبقتها مرحلة من التوجس السياسي والإجراءات الاحترازية المرتبطة بالصراع على إثيوبيا وشرق
يونيو 1940 والتحول إلى سياسة الاحتجاز
تغيرت طبيعة المسألة بصورة حاسمة عندما أعلن بنيتو موسوليني دخول إيطاليا الحرب إلى جانب ألمانيا في 10 يونيو 1940. فمنذ ذلك التاريخ، أصبحت بريطانيا وإيطاليا دولتين متحاربتين رسميًا، وأصبح الرعايا الإيطاليون المقيمون في الأراضي الخاضعة للسلطات البريطانية عرضة لإجراءات أشد من القيود السابقة.
وفي هذا الصدد، يحتفظ الأرشيف البريطاني بملف يحمل عنوان «الأجانب الأعداء المحتجزون في عدن»، ورقمه IOR/L/PJ/8/58، ويغطي الفترة من سبتمبر 1939 إلى أكتوبر 1949.
وهذا المرجع بالغ الأهمية؛ لأنه ينقل البحث من مرحلة الاستعدادات والقيود إلى ملف الاحتجاز الفعلي للأجانب المصنفين أعداء في عدن. لكنه يغطي سنوات عديدة، ولا يكفي عنوانه وحده لإثبات أن جميع المحتجزين كانوا إيطاليين، أو أن جميعهم اعتُقلوا في يونيو 1940، أو أن ظروف احتجازهم كانت متشابهة.
ومع ذلك، فإن الجمع بين هذا الملف وملف القيود المفروضة على الإيطاليين خلال الأزمة الإثيوبية يكشف عن مسار تاريخي يستحق الدراسة: انتقال السياسة البريطانية من مراقبة نشاط رعايا دولة منافسة وتقييد بعض أنشطتهم إلى إدراج الأجانب المنتمين إلى الدول المحاربة ضمن منظومة الاحتجاز الأمني.
ولفهم هذا التحول بصورة دقيقة، ينبغي البحث في الملفات عن أوامر الاعتقال، وأسماء المحتجزين، ومراسلات المسؤولين بشأن تصنيفهم، والقرارات الخاصة بالإفراج عنهم أو نقلهم أو ترحيلهم. كما ينبغي التمييز بين الاعتقال الإداري لأسباب أمنية، والاحتجاز بوصفه أسير حرب؛ فهما وضعان قانونيان مختلفان.
هل كان الإيطاليون في عدن ضحايا سياسة جماعية؟
يثير هذا السؤال مسألة أساسية في تاريخ الجاليات الأجنبية زمن الحرب. فتصنيف رعايا دولة ما باعتبارهم (أجانب أعداء) لم يكن دليلًا على أن كل فرد منهم جاسوس أو متعاون مع حكومته، وإنما كان تصنيفًا قانونيًا وأمنيًا ارتبط بجنسية الشخص وحالة الحرب.
وقد اتجهت السلطات البريطانية في مناطق مختلفة إلى احتجاز بعض رعايا الدول المعادية، خشية التجسس والتخريب والمساعدة في العمليات العسكرية. لكن مدى اتساع الإجراءات، والاستثناءات التي مُنحت لبعض الأشخاص، والتمييز بين ذوي الصلات العسكرية أو السياسية وبين المدنيين، تختلف بحسب المكان والظروف والقرارات الإدارية.
وتكتسب كتابات فريا ستارك أهمية خاصة في هذا السياق، لأنها لم تكن مجرد وصف أدبي للبلدان التي زارتها، بل ارتبطت رحلاتها إلى عدن وحضرموت باهتمام بريطاني أوسع بالتنافس الإقليمي.
فقد زارت ستارك المنطقة في ثلاثينيات القرن العشرين، واكتسبت معرفة مباشرة بالطرق والمدن والعلاقات الاجتماعية والسياسية في جنوب الجزيرة العربية. وتشير دراسة تاريخية عن المملكة العربية المتوكلية الهاشمية إلى أن وزارة المستعمرات البريطانية أوكلت إليها مهمة تقصي مدى النفوذ الإيطالي لدى الإمام يحيى، وطبيعة المساعدات العسكرية الإيطالية لليمن، واتجاهات موقف الإمام من القوى الأوروبية المتنافسة.
وتؤكد فريا ستاركن التي كانت تجيد اللغة الإيطالية قد شاركت بصفة مترجمة في التحقيق مع بعض الإيطاليين في عدن سنة 1940. وسجلت بعض التفاصيل الخاصة بأماكن اعتقالهم.
وتظل كتاباتها مفيدة لفهم المناخ السياسي والعلاقة بين السفر والمعرفة والمصالح البريطانية، أكثر من كونها بديلًا عن سجلات الشرطة والإدارة الاستعمارية الخاصة بالمحتجزين.
إن العودة إلى كتب ستارك، ومنها East is West وThe Journey’s Echo، تظل مفيدة، لكن ينبغي أن تكون قراءة نصية محددة، لا مجرد الاستشهاد باسمها لإضفاء طابع تاريخي على المقال.
ويقتضي ذلك البحث عن إشارات مباشرة إلى عدن خلال الفترة من سبتمبر 1939 إلى نهاية 1941، وإلى الإيطاليين المقيمين فيها، وإلى إجراءات السلطات البريطانية تجاههم، وإلى ما شهدته المدينة من تغيرات في الحياة اليومية نتيجة الحرب.
كما ينبغي مراجعة كتابها Dust in the Lion’s Paw: Autobiography, 1939–1946، لما يغطيه من سنوات الحرب، ومقارنة ما قد يرد فيه من ذكريات شخصية بالمراسلات الإدارية البريطانية.
ختاما يمكننا التأكيد أن الوثائق البريطانية المتاحة تكشف عن أن التعامل مع المقيمين الإيطاليين في عدن لم يبدأ مع دخول إيطاليا الحرب العالمية الثانية. فقد سبقت ذلك قيود مرتبطة بالأزمة الإيطالية الإثيوبية، واستعدادات بريطانية لاحتمال اندلاع مواجهة عسكرية، شملت خططًا لاحتجاز المشكوك فيهم جزءًا من الواقع الإداري والأمني مع اتساع الحرب.
ويبقى ملف (العناصر المشكوك فيها في عدن) من أهم المراجع التي ينبغي فحصها لتحديد الأسماء والأعداد والتواريخ والإجراءات، حتى يمكن الانتقال من إعادة بناء السياسة العامة إلى كتابة تاريخ اجتماعي موثق لتجربة الإيطاليين في عدن خلال السنوات الأولى من الحرب العالمية الثانية.
وما أشبه تلك العناصر المشكوك فيها وبالخلايا النائمة التي بدأت تعبث اليوم بأمن عدن!
