منوعات

السر الذي حيّر العلماء… كيف يعود هذا الطائر إلى نفس الشجرة كل عام؟

سمانيوز/ متابعات /رضا أبوالعينين

 

كشفت أبحاث أجراها علماء أعصاب في جامعة كولومبيا عن تفسير علمي دقيق لسلوك لافت لدى طيور الشنشيدة (Chickadees)، يتمثل في عودتها المتكررة كل ربيع إلى نفس المناطق الحرجية، وغالبا إلى نفس الأشجار التي استخدمتها سابقا للتعشيش أو تخزين الغذاء.

 

وبحسب الدراسة المنشورة في مجلة Cell، فإن هذا السلوك لا يعتمد فقط على الغريزة أو الذاكرة العامة، بل على آلية عصبية دقيقة داخل الحُصين (hippocampus) في دماغ الطائر، حيث يتم تسجيل كل موقع تخزين أو تجربة ناجحة بنمط نشاط عصبي فريد يشبه “الباركود”.

 

ويُعاد تنشيط هذا النمط نفسه عند عودة الطائر إلى الموقع ذاته، ما يسمح له باسترجاع ذاكرة المكان بدقة عالية، حتى بعد فترات قد تمتد لأيام أو أسابيع أو أشهر.

 

وأشار الباحثون إلى أن طيور الشنشيدة قادرة على حفظ آلاف مواقع التخزين واستعادتها بدقة، وهو ما يفسر سلوكها التكراري في العودة إلى أماكن محددة أثبتت نجاحها سابقا، سواء في حفظ الغذاء أو في نجاح التعشيش.

 

اختيار موقع العش.. قرار أنثوي واستراتيجيات دقيقة

 

تبدأ عملية اختيار موقع التعشيش في أواخر الشتاء، حيث تقوم الأزواج باستكشاف عدة تجاويف محتملة قبل الاستقرار على موقع نهائي، وتلعب الأنثى الدور الحاسم في تحديد مكان العش.

 

وتُظهر الطيور تفضيلا واضحا لأنواع معينة من الأشجار، أبرزها الألدر والبتولا، نظرا لنعومة خشبها وسهولة حفره، كما تُستخدم أيضا أشجار مثل الحور والقيقب السكري، حيث تتوفر فيها تجاويف متحللة نسبيا تسهّل عملية الحفر، في المقابل، لا تستطيع هذه الطيور اختراق الأخشاب الصلبة بنفس كفاءة نقّارات الخشب.

 

ويُعد ارتفاع التجويف عاملا مهما في الاختيار، إذ تفضله الطيور عندما يكون أعلى من مستوى الأرض، ما يمنح الأنثى مجال رؤية أفضل ويقلل من خطر الحيوانات المفترسة.

 

ورغم أن الذكر والأنثى يتشاركان عملية الحفر، فإن بناء العش الداخلي يتم بالكامل بواسطة الأنثى، التي تبطّن التجويف باستخدام الطحالب والريش وفراء الحيوانات.

 

استراتيجيات إخفاء العش وخداع المفترسات

 

تتبع طيور الشنشيدة أساليب متقدمة لإخفاء موقع العش، إذ تقوم بنقل رقائق الخشب الناتجة عن الحفر لمسافات تتجاوز عدة أمتار (أكثر من 3 أمتار)، ثم التخلص منها في نقاط متفرقة بعيدا عن الشجرة، ما يمنع تشكل كومة قد تكشف موقع العش.

 

وعند اقتراب مفترس، يؤدي الذكر سلوكا تشتيتيا متعمدا، يتمثل في الهبوط بالقرب منه، ورفع الجناحين وخفضهما مع فرد الذيل لجذب الانتباه بعيدا عن العش، كما قد تقوم الأزواج بحفر عدة تجاويف في الوقت نفسه لزيادة صعوبة تحديد الموقع الحقيقي للعش.

 

دعم بقاء الطيور في البيئات الحضرية

 

تشير الدراسة إلى أن صناديق التعشيش الصناعية يمكن أن تحاكي بشكل فعال التجاويف الطبيعية المفضلة لهذه الطيور، خاصة في المناطق التي تندر فيها الأشجار القديمة، ويشترط أن يكون مدخل الصندوق مناسبا لحجم الشنشيدة، بحيث يمنع دخول الطيور الأكبر حجما المنافسة.

 

كما توصي النتائج بتنظيف صناديق التعشيش مرة واحدة سنويا لتقليل تراكم الطفيليات التي قد تنتقل بين المواسم.

 

وفي فصل الشتاء، تعتمد هذه الطيور على مصادر غذاء إضافية، حيث تتردد على المغذيات وتستهلك بذور دوار الشمس والفول السوداني والشحم الحيواني.

 

ويساعد توفر الغذاء خلال الأشهر الباردة على رفع فرص بقائها بصحة جيدة حتى موسم التكاثر.

 

من الغريزة إلى الذاكرة العصبية الدقيقة

 

خلص الباحثون إلى أن سلوك العودة السنوي إلى نفس المواقع لا يمكن تفسيره بالغريزة وحدها، بل هو نتيجة مباشرة لنظام ذاكرة عصبي متقدم يسجل التجارب الناجحة بدقة مكانية وزمنية عالية.

 

وبذلك، فإن عودة طيور الشنشيدة إلى نفس الأشجار كل ربيع لا تمثل مجرد سلوك متكرر، بل استدعاءً لذكريات عصبية محددة مرتبطة بنجاحات سابقة، تجعل من تلك المواقع “اختيارات محسوبة” داخل دماغ الطائر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى