ليالي المحروسة 3

رواية / بقلم / انديرا السالمي
لاحظت ورد تقلب زوجها الحاج علي على فراشه ولعلها ادركت مايدور في رأسه،كيف لا وهي الوحيدة القادرة على فهمه
-علي لا عليك مما حدث اليوم من ابنتنا رقية،لاتزال صغيرة،كل مافي الامر قاطعها زوجها وهو لايزال معطياً ظهره لها:
-اخبريها ان تحزم ثيابها غدا بعد الشروق.
انتصبت ورد على السرير جالسةً ووضعت يدها على كتفه وحاولت وضع يدها الاخرى على ذقنه لجعله يلتفت اليها:
-لماذا والى اين؟
-سنذهب الى الشيخ عثمان لزيارة اختها الكبرى( سلامة)لابد وانها تحتاجها للمساعدة في اعمال البيت خاصة بعد ان انجبت طفلها الاخير.
-وبماذا عساها ستحتاج لها وبناتها في سن رقية ابنتنا،بل كبرى بناتها اكبر من رقية بسنتين،لاتزال ابنتنا في الثانية عشرة،انا محتاجة لها اكثر.
قاطعها بحدة: نفذي ماقلته وكفى.
فهمت ورد ان زيارته لابنته الكبرى لم تكن الا عقابا بل منفا لرقية حتى تنسى ماتجرأت بالبوح به امام والدها لكن لا مناص من الاعتراض،قُضي الامر.
لم تكثرت رقية لقرار والدها،لاداعي للقلق طالما وان حلمها لا يقدر احد على انتزاعه من داخل اعماق قلبها،ستحققه ذات يوم،هي مؤمنة به،لقد كان حلمها هو مايجعلها ترى كل ماحولها اجمل مما هو عليه،لا ضير وان تغير المكان او الزمان انه يتربع على عرش احلامها معشعشا في عقلها.
غادرت قريتها الصغيرة المطمئنة،كادت يدها الصغيرة أن تُسحق وهي متكورة داخل كف والدها العريض،كانت تهتز تحت بقشة ثيابها المعتلية لاعلى رأسها تحاول مجاراة مشية والدها المسرعة وكانه يريد ان يطوي المسافات سريعا هروبا من حلم ابنته المزعج،كان يشعر بكل خطوة مبتعدا بها عن قريته وكانه يمسح بها عاره التي ستلحقه به ابنته.
كانت رقية تمشي خلف ابيها ويدها الصغيرة تحاول بها الحفاظ على توازن بقشتها اعلى رأسها ويدها الاخرى ضائعة داخل كف ابيها،اخذت تتأمل ظهر والدها وهو يسرع الخطى،كان يلبس قميصا ابيضا يعلوه شال( كشيدة)بيضاء بخطوط بنية ومعوزا ابيضا يزينه نقوش بنية في الاسفل،تعلو رأسه كوفيته البيضاء المعتادة،بدت انحناءة صغيرة تعلو ظهره،كان الرجل الاكثر وسامة في عينيها،عريض المنكبين،كث شعر الرأس يزين ذقنه شعيرات مرتبة وشارب خفيف،رغم ملامح الطيبة الظاهرة على قسمات وجهه الا انه يخفي صرامة حادة تظهر عند الحاجة اليها،حينها لا يستطع احد مواجهته،احبت رقية اباها كما لم تحب احد من قبل حتى صرامته هذه احبتها،كانت تشعر بالامان بمجرد سماع نحنحته في زقاق حارتهم قادما اليهم،يبدو انها ورثت جزءً من صرامته هذه يسمونها احيانا تمردا،عنادا،لايهم المهم انها تشبهه في جزئية ما.
وصلا اخيرا منزل اختها سلامة،رحبت بهما ترحيبا حارا،ثم اشار لابنته سلامة برغبته بالكلام على انفراد بعد ان استأذن من ابن اخيه وزوج ابنته بنفس الوقت.
بدأ حديثه بنحنحة ثم ثبّت نظراته على وجه ابنته التي احست ان في الامر شيئا ما
-سأترك رقية عندك امانة،ستساعدك في كل امور بيتك واولادك،لا تتركيها ابدا بدون عمل،اشغليها باي شيئ وسأعود لاخذها عندما ارى الوقت مناسبا.
لاحظ نظرة التساؤل في عيني ابنته مما جعله يشرح لها سبب ترك ابنته رقية عندها لبعض الوقت ريثما تنشغل او تنسى ما بدأ يكبر في داخلها،لا يريد ان يلحق به العار في آخر عمره
لم تنبس سلامة ببنت شفة ولم تجرأ على القول له ان بناتها ايضا يذهبن الى المدارس صباحا ومعلامة القرآن عصرا،كيف تجرؤ وهي من حاولت بكل الطرق اخفاء الامر عليه لكي لا يؤثر على زوجها،هي لا تريد لهن حياة كحياتها،يا الهي ماذا عساها ان تقول،اصطنعت ابتسامة باهتة وردت:
لا عليك يا ابي،لدي الكثير من الاعمال لشغل وقتها،ستنسى الامر مع الايام….
مرت الايام ولم تنسَ رقية حلمها،صحيح انها مُنعت من الذهاب الى المدرسة او المعلامة خوفا من غضب الحاج علي،كانت تصحو في الصباح الباكر تجهز امور البنات بكل محبة وكانها هي من ستذهب الى المدرسة،وتكمل اعمال البيت وتبدأ في اعمال الصوف ريثما يرجعن البنات،انها في شوق شديد لما سيتعلمونه اليوم،لقد تعلمت بسرعة كل الحروف الابجدية والارقام،كم مرة تحاول ان تخط لهن بفرحة غامرة بعض الحروف،كل هذا وسلامة تراقب الامر عن كثب وبقلق شديد لكنها لا تستطيع منع عنفوانها،ورغبة اختها رقية في تعلم كل شيئ،لم تجد كل هذا الشغف في بناتها…
قلقها لم يخفَ على رقية،طمأنتها ان لا تقلق،لن يعلم ابي باي شيئ وكانه كانت هناك اتفاقية سرية: لاتخبريه عني ولن اخبره عن بناتك.
مرت سنتان وهذه الاتفاقية الضمنية سارية،تتخللها زيارات خاطفة للحاج علي كلما دخل الشيخ عثمان وجاء اليوم الذي سيُحدث امرا جليا في حياة الصبية رقية
يتبع…
