آداب و ثقافة

ليالي المحروسة 13.

رواية بقلم: انديرا السالمي.

اضاء الصباح بجنبات مخارط الحوطة،والقت الشمس شعاعاً من أشعتها على جدران منزل رقية،كانت رقية قد استيقظت قبل الفجر بل ربما لم تنم اساسا،انه اول يوم دراسي لبناتها…
دلفت رقية الى الحجرة المجاورة واخذت تتأمل ثياب بناتها المدرسية لربما هذه المرة الالف التي دخلت فيها هذه الحجرة لتتأمل فيها هذه الثياب،كانت فرحتها أشبه بفرحة طفل نام بجانب بدلته الجديدة منتظرا مجيئ العيد.
تلمست بيديها ملمس تلك الثياب،واخرجت تلك الدفاتر من الحقائب التي صنعتها لهم من بواقي اكياس الدقيق والارز،أخيرا تحقق حلمها ستمتلئ تلك الدفاتر وستزهر عقول بناتها بما ستحتوي عليه،ستكون قوية بهن وستفخر بهن امام العالم بكله…
فتحت نوافذ الحجرة التي تنام فيها بناتها على مصراعيها: هيا يا ورداتي الجميلات استيقظن ،اعددت لكنّ اجمل افطار هذا الصباح،انتقل حماس رقية الى بناتها اللاتي قفزن من اسرّتهن وشرعن في التهيأ لاول يوم دراسي في حياتهن.
على الجانب الاخر من الحي الذي قلب صفحة من صفحات حياته الرتيبة،بدأ أهله يستقبلون الصباح بهتافاتهم المحفوظة،وغدا فضل صبي المقهاية فملأ دلوا ورش الارض وشرع في الغناء مع الفنان الذي يصدح صوته من مذياع المقهاية:
ردد التغريد… ياصباح الباكرِ… ياحمام الدور اسجع بالنشيد
وانت ياغريد… غنّ لحن الحب عود من جديد…

وفي هذه الساعة الباكرة ينشط عم العاقل يحف به صبية المدارس ويمتلئ جيبه بالعانات والشلنجات،وأقبل كل طالب رزق على محل رزقه يخرقون المكان بجلبتهم التي لا تنقطع طوال النهار.
جلس عم عباس صاحب محل الحلاقة ذا الشعر الاحمر من آثار صبغة الحناء على احد كراسي مقهاية ابو فضل المقابلة لمحله في جلسة حالمة يقضم شيئا بين اسنانه ويلوكه في فمه ثم يعتصره بقدح من الشاي..
وقفن البنات في(المخرط)الممتد امام منزل رقية الى آخر الحي في طريقهن للمدرسة يودعن امهن وهي واقفة امام الباب تتأملهن بكل زهو وتتأمل نور ابتسامتهن التي ملأت ارجاء الحي باكمله،خاطبتهم بقلبها: يا بُنياتي،بابتسامتكن هذه انتن تمسحن عن عيني قُبح العالم من حولي….
مضت الايام بهن مابين مدرسة ومعلامة وعمل،حيث رقية في عملها المعتاد بمساعدة بناتها مابين بيع للبطاط وعمل زنابيل الحلوى وصنع الاكياس الورقية،وزادت عليهم بشغل الكوافي الرجالية الذي تميزت فيه فوزية أيما تميز بالاضافة الى عمل رقية الاخر الذي انهك جلدها وبصرها… سحق البسباس وتوابعه.
ابلت الفتيات بلاءً حسناً في المدرسة وكانت نادية اذكاهن دراسياً بشكل ملفت للنظر،كانت اسرعهن فهما و حفظا وحدساً،كانت فوزية في صف دراسي اعلى لكبر سنها بينما انضمت نادية ونجوى في فصل دراسي واحد لتقارب سنهما…
تخرجت فوزية من المعلامة بعد ان اتمت قراءة القرآن الكريم،لم تمضِ ايام الا ولاحظت مُقرّية المعلامة غياب اخوات فوزية عن المعلامة وعلمت من مصادر خاصة بانهما لن تعودا لمواصلة دروسهما عندها فقررت ان تشتكي بأمهما عند احد الاسر من طبقة الامراء التي كانت حينها ذات حضوة عند عامة الناس ولها كلمة مسموعة،حيث قامت احدى نساء تلك الطبقة باستدعاء رقية للحضور في بيتها بوجود تلك المُقرية،وما ان جاءت رقية حتى جلست بجوار المُقرية وتلك المرأة وبحضور عدد من نساء الحي،فبادرتها بالسؤال:
هل صحيح بانك اخرجتي باقي بناتك من المعلامة يا رقية؟
قاطعتها المقرية: نعم،لقد اخرجتهم،تريد ان تقطع رزقي و… .
قاطعتها رقية بكل شجاعة جعل كل من حولها ينصت اليها باهتمام: نعم اخرجت بناتي بعد ان تخرجت فوزية من المعلامة،واوعزت اليها بان تقوم هي بتعليم اخواتها القرآن الكريم،فلا طاقة لي بدفع المال للمقرية طالما وان هناك من سيقوم بهذه المهمة.
هنا التفتت تلك المرأة التي من طبقة الامراء الى المقرية ووجهت اليها الكلام:
مدام هذا سبب اخراج بناتها فلا حرج عليها،لا يكلف نفسا الا وسعها،وانتِ سيرزقك الله تعالى من عنده بتلميذات اخريات،اما انتِ يا رقية فأعانك الله على مصاريف دراستهن وسخّر لك مايعينك على تربيتهن.

كان منزل رقية يقع في قلب الحوطة لهذا كان ملائما لأخذ قسط من الراحة فيه لمن اراد القدوم من القرية للمدينة طلبا للعلاج او التقاط انفاسه ريثما يبرد الجو قليلا ويواصلون مسيرهم لطريق عودتهم للقرية،خاصة وان رقية تميزت بروح مرحة ووجه سمح في استقبال زوارها من اهلها وغير اهلها وبنفس كريمة تجود على رغم الفقر بافضل ماعندها…
قدمت اختا رقية(كريمة وربوة)ذات نهار لمنزلها في زيارة لاتبدو عادية ككل مرة،فقد لاحظت رقية في عينيهما الكثير من الحديث الذي تودان قوله،بادرت كريمة بالحديث فلها من قوة الشخصية والجرأة ما يؤهلها لذلك:
سمعنا انك ادخلتي بناتك المعلامة بل تعدى ذلك الى ادخالهم المدارس
رقية:(بتحدٍ)نعم وهل في ذلك ضرر لكم؟
-:بل ماهو اكبر من الضرر،انه العار،ماذا سيقول الناس علينا ان هم علموا بالامر
التفتت رقية لاختها ربوة ووجهت كلامها اليها فهي تعلم بان ربوة هي اطيب اخواتها بل ربما لا تكون راضية عن تصرف اختها كريمة وربما جاءت معها كمرافقة طريق لا اكثر:
هل انتِ موافقة على هذا الكلام يا ربوة؟
ربوة: كل مافي الامر يا اخيتي اننا تربينا على ان هذا الامر عيب،بل عار
قاطعتها كريمة: لم يسبقكِ احد من اخواتك يا رقية بهذا الامر،لم ندع بناتنا يذهبن الى المعلامة وفيها يتلى كلام الله،فما بالك بالمدارس
رقية: أرأيتي…. يتلى فيها كلام الله،اي ضير في مكان يتلى فيه كلام الله
كريمة: انسيتي ما فعله والدنا رحمة الله عليه عندما فكرتي مجرد تفكير بتعلم القرآن وهو مؤدن القرية وامامها
رقية: لن ادع بناتي يسلكون طريقي،وان كنت سلكتُ انا ذلك الطريق فقد كان رغما عني ولظروف حكمت علي ان لا احقق حلمي…
كريمة: واي حلم تريده المرأة اكثر من زوج يسترها،فنهاية كل واحدة منا بيتها وزوجها ومطبخها،تراجعي يا اخيتي ولا تلحقي بنا العار،لا تجعلي حياة المدينة تفسدكن
رقية: سترة كل فتاة علم ينور عقلها تعرف به كيف تختار زوجها وتربي اطفالها،الستر الذي تتمناه كل فتاة هو ان لا تعتمد ولاتحتاج لاحد غير نفسها عندما تنكسر من هذا الزوج او غيره،العار يا اختاي هو ان اقف مكتوف الايدي واستسلم لكلامكما كما استسلمت لظروفي من قبل،سأحارب العالم كله لتحقيق حلمي وحلمهن وان كلفني هذا الامر حياتي،اتفهمن
كان كلامها الاخير هذا كافيا لانهاء الحوار مما دفع باختيها لمغادرة المنزل رغم اصرار رقية بان يبيتا عندها الليلة،لكنهما خطتا نحو الباب وتوقفت فجأة كريمة وفي محاولة اخيرة لثني رقية عن قرارها:
رقية… بعملك هذا لن يتقدم أحد للزواج من بنات ذهبن الى المدارس..
لم تجد رقية اقوى من ابتسامة امتزجت بالتحدي والسخرية لترد بها على كلام كريمة.
رفعت كريمة الشيذر من على ظهرها لاعلى رأسها بحنق وغادرت البيت مع اختها ربوة بعد ان حملتهما رقية السلام امانة لامها(ورد) في القرية.
يتبع….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى