آداب و ثقافة

قراءة في كتاب «الديمقراطيات الغربية في خطر»

سمانيوز/القاهرة

أصدرت دار الترجمان للنشر والتوزيع كتاب المفكر الألماني «ميشائيل باون» وعنوانه «السلطة والذكاء الاجتماعي.. الديمقراطيات الغربية في خطر» ترجمة أيمن شرف، الذي يوضح أن ما بين العنوان الرئيسي «السلطة والذكاء الاجتماعي» والعنوان الفرعي «الديمقراطيات الغربية في خطر» مسافة يقربها استدلال المؤلف أولاً على أن السلطة لا تقوم على استخدام العنف، أو التهديد به، على عكس التصور السائد وفق النظرية الكلاسيكية لماكس فيبر وتوماس هوبز، وإنما على الذكاء الاجتماعي، أي قدرة الأفراد على تنسيق جماعتهم البشرية وتجنب النزاعات.

يرى شرف أنه من هنا تأتي الصلة مع العنوان الفرعي، المجتمعات الغربية الديمقراطية تواجه – وفق تحليل المؤلف – تحدياً ينذر بانهيار ديمقراطيتها نتيجة لزيادة التحديات المفروضة على «الذكاء الاجتماعي»، وأحد أعراض هذا الخطر هو صعود ما يسمى بتيار اليمين الشعبوي في أوروبا والولايات المتحدة، وأشهر رموزه حالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأنصاره.

لفهم ظاهرة «الشعبوية اليمينية» الحالية في أوروبا وأمريكا يضع أستاذ الفلسفة «باون» أساس نظريته للسلطة، منطلقاً من فكرة أنها تقوم على التوافق وليس الصراع، وبالتالي يمثل الذكاء الاجتماعي عاملاً حاسماً في تشكيل هياكل السلطة، وهنا تلعب السلوكيات اللاواعية وغير العقلانية دوراً أساسياً.

ويستعين المؤلف في تفسيرها بنتائج دراسات علم النفس الاجتماعي، والتي تؤكد أن مبدأ الإنصاف عند البشر ليس مجرد مبدأ عقلاني، بل يستند إلى العاطفة أيضاً، وترجع حلول هياكل السلطة الهرمية محل «المساواة في المجتمعات البشرية المبكرة» إلى أسباب اقتصادية ونفسية تكررت في تاريخ البشرية.

يرى المؤلف أنه لا توجد مجتمعات بشرية في فراغ، وإنما يتشكل تطورها من خلال مجموعة متنوعة من الظروف الخارجية، وهناك عاملان لهما أهمية خاصة في هذا السياق: الأول أن الصراعات الخارجية لها تأثير مهم على هياكل الجماعة البشرية، وتحت الضغوط الخارجية تتقارب الجماعة من بعضها.

والعامل الثاني له صلة بالتطور الاقتصادي وخاصة تطور التفاوت الاقتصادي، كان الإنسان الصياد وجامع الثمار في العصر الحجري يملك ما يحتاج إليه للحياة، ولا يمكنه أن يأخذ معه ما هو أكثر من ذلك في ترحاله، ولهذا السبب لم يكن هناك مكان للفروق الاقتصادية، لكن مع دخول الزراعة وتربية الماشية في النشاط الإنساني وبداية الاستقرار مع ثورة العصر الحجري الحديث منذ حوالي 12 ألف سنة تغير الوضع، أنتجت زراعة الحبوب فوائض يمكن تخزينها لفترة أطول؛ حيث إن الإنسان لم يعد رحالاً أيضاً، وهكذا نشأ التفاوت الاقتصادي.

الذكاء الاجتماعي

لكن كيف ارتفع منسوب الذكاء الاجتماعي؟ نمو الذكاء الاجتماعي للفرد هو في المقام الأول نتاج للتطور، لكننا لا نكاد نثق في التطور، فهو يستغرق وقتاً طويلاً جداً، ويعمل بطرق مشكوك فيها للغاية، من لا يتأقلم عليه أن يتوقع الموت، لكن الذكاء الاجتماعي يمكن أن يتطور بطريقة أخرى أيضاً، وتحديداً وفقاً لطريقة إتقاننا للمهارات العلمية والثقافية والتقنية الأخرى، حيث نستفيد من خبرتنا ومن نقل ما تعلمناه من جيل إلى جيل، وبالتالي نطور القواعد والمؤسسات التي تعتمد على مهاراتنا وتسعى إلى تعويض نقاط ضعفنا.

يرى المؤلف أنه في بداية هذا التطور هناك استراتيجيات تعزز تماسك أعضاء الجماعة البشرية فيما بينهم وارتباطهم بها أيضاً، وتشمل هذه الاستراتيجيات على سبيل المثال الأساطير والطقوس الجماعية أو الأزياء أو زخارف الجسد التي تميز جماعة معينة، كما تُسهم المعتقدات الدينية التي تنسبها الجماعة نفسها أو قادتها أو قوانينها إلى قوى عليا في تماسك الجماعة بشكل حاسم، ويمثل تطور المبادئ القانونية والمؤسسات الديمقراطية في اليونان القديمة وروما خطوة أخرى، وفي عصرنا الحاضر أضيف احتكار الدولة لاستخدام القوة وتقسيم السلطات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى