
سمانيوز/ متابعات /ريم الكمالي/دبي
كلما طال تأمل اللوحة بدأت تفاصيلها في الظهور
كلما طال تأمل اللوحة بدأت تفاصيلها في الظهور
أغنيس مارتن وتغيير الإحساس بالانتباه والهدوء
أغنيس مارتن وتغيير الإحساس بالانتباه والهدوء
تبدو بعض لوحات الفن المعاصر، للوهلة الأولى، وكأنها تخلو من المعنى، هذا الانطباع يتكرر كثيراً أمام أعمال الفنانة الكندية أغنيس مارتن (1922 – 2004م)، والتي تعتمد على خطوط دقيقة ومتكررة، ومساحات لونية هادئة، تكاد تقترب من الفراغ، غير أن هذا الفراغ هو في الحقيقة نقطة البداية لفهم العمل.
تعتمد لوحاتها على شبكة من الخطوط الأفقية أو العمودية، مرسومة بخفة، بحيث لا تظهر كعناصر حادة أو صارمة، ومع الاقتراب من العمل، يتضح أن هذه الخطوط ليست متطابقة تماماً، بل تحمل اختلافات طفيفة في السماكة والاستقامة، وما التكرار هنا سوى حالة من الاستقرار، فبدل أن تبحث عن مركز أو عنصر مهيمن، تبدأ في التكيف مع النسق العام، وتتحرك داخله بهدوء.
هذا التحول في طريقة النظر هو ما يجعل التجربة مختلفة عن اللوحات التقليدية أو الكلاسيكية، حيث تلعب المساحات بين الخطوط دوراً أساسياً في بناء العمل.
الفراغات ليست غياباً، بل جزء من التكوين، تمنح العين مجالاً للتنفس، وتخلق توازناً بصرياً يخفف من أي ازدحام محتمل، ومع استخدام ألوان باهتة وقريبة من بعضها، مثل الأبيض والرمادي ودرجات خفيفة من الأزرق أو الوردي، تتعزز الحالة من الصمت حتى السكون، خاصة بعد لحظات من النظر يحدث تحولاً خفيفاً، لتبدو هذه اللوحات للبعض فارغة، وبينما أنت تبدأ في الشعور بها، ثم يتباطأ الإيقاع، ويهدأ التركيز، وكأن العمل يعيد ترتيب انتباهك لهذا.
ولمن يرغب بتفسير هذا النوع من اللوحات، فلا يوجد موضوع تُفسره، ولا رمز تفككه، فاللوحة لا تطلب منك أن تفهمها، بل أن تبقى أمامها.. تطلب التأمل، ليتدرّج كل شيء، وكلما أطلت النظر، قلّ ما تراه، وزاد ما تشعر به، أيّ في هذا النوع من الفن، الصمت مساحة يُترك فيها المتلقي وحده، ليملأها من داخله، وفنٌ يطرح تجربة تعتمد على الزمن.
فكلما طال تأمل اللوحة، بدأت تفاصيلها الدقيقة في الظهور، وتغير الإحساس، وما يبدو بسيطاً في البداية، يكشف عن بنية دقيقة تقوم على الانتباه والهدوء.
في هذا السياق، دور المتلقي هو التفاعل مع الفن. فهذه الأعمال لا تُبنى على المعنى المباشر، بل على الإحساس الناتج عن التكرار، والخواء أو الفسحة مع التدرّج البصري، كي تسمح بإعادة ترتيب العلاقة بين العين وما تراه، بعيداً عن الضجيج البصري المعتاد.
