الـــ “رانغاتيرا” سام نيل يترجلُ عن عمرٍ ناهز 78 عاماً

رحيلٌ يجمعُ بين هيبةِ الختامِ وصدقِ المسيرة؛ فقد ترجلَ اليومَ ذلك الـ “رانغاتيرا” (Rangatira) – أي السيد النبيل والقائد الرفيع في الثقافة الماورية – الذي طالما أمتعنا بحضورهِ الاستثنائي على الشاشةِ وخارجها.
إنَّ قصةَ حياةِ “سام نيل” ليست مجردَ سيرةِ ممثلٍ بارعٍ مرَّ عبرَ ذاكرةِ السينما، بل هي رحلةٌ إنسانيةٌ فريدةٌ نُسجت خيوطها بين طموحاتِ الفنِ في هوليوود وبين طمأنينةِ التلالِ الخضراءِ في مزرعتِهِ بنيوزيلندا.
لقد كان نيل صوتاً للصدقِ والوقارِ في عالمٍ يضجُّ بالصخب، محتفظاً بإنسانيتِهِ الأصيلةِ حتى في أحلكِ لحظاتِ الصراعِ مع المرض، ليغادرنا تاركاً خلفهُ إرثاً لا يُنسى من الأداءِ الفنيِّ الرفيع، ودروساً في كيفيةِ مواجهةِ أقدارِ الحياةِ بشجاعةِ المُحبِّ وابتسامةِ الساخرِ العارف.
رحيلٌ مفاجئ
توفي الممثل النيوزيلندي الأسطوري سام نيل، الذي اشتهر بأدواره في فيلم “جوراسيك بارك” (Jurassic Park) ومسلسل “بيكي بلايندرز” (Peaky Blinders)، يوم الاثنين في سيدني بأستراليا عن عمر ناهز 78 عاماً، وفقاً لما ذكرته عائلته.
وقالت العائلة في بيان نُشر على صفحة الممثل على إنستغرام: “ببالغ الحزن تشارك عائلة سام نيل خبر رحيله”، مستخدمةً كلمة “whānau”، وهي كلمة ماورية تعني أكثر من مجرد أسرة، فهي تشير إلى العائلة الممتدة أو المجتمع الذي يربطه رابط روحي واجتماعي عميق.
وأضاف البيان: “كانت الخسارة مفاجئة وغير متوقعة، ولكنها كانت مفعمة بالامتنان لكون سام قد تعافى من مرض السرطان”.
كان نيل قد عانى من نوع نادر وعدواني من سرطان الدم، لكنه كشف في أبريل أنه شفي منه. وأشار البيان إلى أن: “سام كان محاطاً بعائلته ورحل بوقار ميز حياته بأكملها.
وتود العائلة أن تعبر عن خالص امتنانها للعاملين في مستشفى سانت فينسنت الخاص على رعايتهم المذهلة”. وختم البيان: “ستتم مشاركة المزيد من التفاصيل لاحقاً، ولكن في الوقت الحالي، وبالنيابة عن العائلة، نطلب منكم احترام خصوصيتهم وهم يواجهون هذه الخسارة التي لا توصف”.
مسيرةٌ استثنائية
شارك الممثل الشهير في عشرات الأفلام والمسلسلات التلفزيونية خلال مسيرته المهنية التي امتدت لخمسة عقود وشملت أنواعاً فنية متنوعة، بما في ذلك فيلم “البيانو” (The Piano) الحائز على جائزة الأوسكار، لكنه يظل معروفاً على نطاق واسع بتجسيده لشخصية الدكتور آلان غرانت الأيقونية في فيلم “جوراسيك بارك” للمخرج ستيفن سبيلبرغ. ق
ال نيل لشبكة CNN في عام 2023، بمناسبة الذكرى الثلاثين لإصدار الفيلم: “لقد كانت حياة سعيدة ومفاجئة للغاية. لم أتوقع أبداً أن أحظى بمسيرة مهنية في السينما، أو حتى كممثل. لكن الأمر حدث، ولا يوجد أحد أكثر مني دهشة بذلك”.
وصفت الممثلة لورا ديرن، التي شاركت نيل البطولة في “جوراسيك بارك”، الممثل بأنه “صديق عزيز مدى الحياة” وكذلك “رجل نبيل وصادق حقاً، وهو فتى أحلامي في التمثيل”، في بيان يوم الاثنين. وقالت ديرن: “سأحبك للأبد، دكتور آلان غرانت”. كما قال الممثل النيوزيلندي كارل أوربان إن نيل كان “مصدر إلهام للكثيرين الذين ساروا على خطاه الرائدة. رجل جميل، وثروة وطنية قدمت الكثير لنيوزيلندا وللعالم”.
جذورٌ ثابتة
ولد نيل في أيرلندا الشمالية وهاجر إلى الجزيرة الجنوبية في نيوزيلندا في سن السابعة. حصل على العديد من الجوائز طوال مسيرته، بما في ذلك وسام الإمبراطورية البريطانية في عام 1991 ولقب فارس من نيوزيلندا في عام 2022.
وعندما تم تكريمه بجائزة أسطورة الشاشة في حفل توزيع جوائز الشاشة النيوزيلندية لعام 2025، قبل التكريم بسحره المتواضع المعتاد: “إذا بقيت لفترة كافية، فأنت على الأرجح، كما تعلم، مؤهل، وأنا كنت مجرد باقٍ هنا”.
تمتع نيل بحياة غنية خارج هوليوود، قضاها بشكل كبير في مزرعته المترامية الأطراف في نيوزيلندا. وكان من المعروف عنه تسمية حيوانات مزرعته بأسماء أيقونات هوليوود، وأصبح العديد منهم أيقونات غير مقصودة على صفحات نيل على وسائل التواصل الاجتماعي. قال لمجلة “فالتشر” في عام 2019: “أحب تسمية أكبر عدد ممكن من حيواناتي بأسماء أصدقائي. لا تنتهي الأمور دائماً بشكل جيد. قُتلت ميريل ستريب على يد ابن عرس مؤخراً. وجدتها كومة من الريش ذات يوم”.
نضالٌ بيئي
كان ناشطاً بيئياً شغوفاً، وفي أوائل عام 2026 أصدر فيلماً وثائقياً قصيراً يعارض منجم ذهب صناعي مقترح في منطقة سنترال أوتاغو بنيوزيلندا. وفي تلال أوتاغو المتدحرجة التي أحبها، بدأ مزارع الكروم العضوية الخاصة به، “تو بادوكس” (Two Paddocks)، في عام 1993، بهدف إنتاج نبيذ “بينو نوار” جيد يستمتع به أصدقاؤه وعائلته. قال نيل وفقاً لموقع “تو بادوكس”: “بصراحة، أصدقائي سيشربون أي شيء تقريباً، لذا لم يبدُ هذا الأمر صعباً للغاية”.
رسالةٌ أخيرة
تُعد مذكرات سام نيل التي تحمل عنوان “هل أخبرتك بهذا يوماً؟” (Did I Ever Tell You This?) رحلةً إنسانيةً عميقةً ومؤثرةً، كتبها نيل خلال فترة خضوعه للعلاج الكيميائي المكثف بعد تشخيصه بسرطان الغدد الليمفاوية في عام 2022، حيث لا تُعد مجرد سيرة ذاتية تقليدية بل انعكاساً للحظات الضعف والقوة التي واجهها في تلك المرحلة. يتأمل نيل في هذا الكتاب مسيرته السينمائية غير المتوقعة، معبراً عن عشقه العميق لنيوزيلندا ومزرعته وكروم العنب.
كما يتناول الكتاب بفلسفة صريحة وجهة نظره تجاه الموت، مؤكداً أنه لا يخشى الفناء بحد ذاته بقدر ما يزعجه فوات الأشياء التي كان يرغب في إنجازها. في جوهرها، تبرز المذكرات كـ “رسالة حياة” تعكس الشخصية الفريدة لنيل الذي واجه أقسى فصول حياته بنفس الوقار والرزانة التي ميزت مسيرته الفنية.
وصف نيل حياته العائلية مازحاً بأنها “عشوائية نوعاً ما” بسبب مسيرته التمثيلية الدولية. كان لديه أربعة أطفال: تيم، ابنه من زوجته السابقة ليزا هارو؛ وإيلينا، ابنته من زوجته السابقة نوريكو واتانابي؛ ومايكو، ابنة واتانابي من زواجها الأول التي تبناها نيل؛ وأندرو، الذي تبناه أبوان آخران ولكنه التقى به لاحقاً؛ بالإضافة إلى العديد من الأحفاد.
