آداب و ثقافة

الذكاء الاصطناعي والكتب النادرة.. سباق التقنية يهدد ذاكرة البشرية

د. يوسف نوفل

د. يوسف نوفل
أحمد بانافع

أحمد بانافع

في الوقت الذي تتسابق فيه شركات الذكاء الاصطناعي لتطوير نماذج أكثر قدرة على التعلم والفهم، تتصاعد تحذيرات متخصصين ومثقفين وتجار كتب نادرة، من تنامي الطلب العالمي على الكتب القديمة والمخطوطات والطبعات الأولى، لاستخدامها في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، وسط مخاوف من أن يتحول التراث الوثائقي للبشرية إلى وقود للدورة التقنية على حساب الحفاظ على ذاكرة البشرية.
وتتزامن هذه المخاوف مع دعاوى قضائية تنظرها محاكم أوروبية بشأن استخدام كتب نادرة في مشروعات مرتبطة بتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي. فوفق تقارير صحفية اتُّهمت شركات مثل Meta وAnthropic باستخدام كتب رقمية محمية بحقوق الملكية الفكرية في تدريب نماذجها.
وبحسب وثائق قضائية، اشترت شركة Anthropic آلاف النسخ الورقية من موزعي الكتب المستعملة، ثم استخدمت آلة قطع هيدروليكية لفصل الصفحات عن أغلفة الكتب، قبل مسحها ضوئياً باستخدام معدات تصوير صناعية وتحويلها إلى بيانات رقمية تُستخدم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
واستندت الشركة في هذه العملية إلى مبدأ قانوني يُعرف باسم «حق البيع الأول»، والذي يسمح للمشتري بالتصرف في النسخة التي يمتلكها دون الحاجة إلى موافقة صاحب حقوق النشر، طالما لا يعيد توزيعها كنسخة جديدة.
ورأت المحكمة أن تحويل الكتاب الورقي إلى نسخة رقمية للاستخدام الداخلي في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي يُعد استخداماً «تحويلياً» يندرج ضمن مبدأ الاستخدام العادل.
إلى هذا تثار تساؤلات وتحذيرات قوية حول احتمال تعرض بعض النسخ الأصلية للتلف أو الفقدان أثناء عمليات الرقمنة، وسط طرح سؤال جوهري: هل يمكن أن يتحول التراث الوثائقي للبشرية إلى وقود لثورة الذكاء الاصطناعي؟

الخطر الحقيقي

يرى متخصصون أن الخطر الحقيقي لا يتمثل في فقدان نسخة نادرة فحسب، وإنما في ضياع شاهد مادي على تاريخ الحضارة الإنسانية.
فالكتاب النادر ليس مجرد نص مكتوب، بل وثيقة تاريخية متكاملة تحمل بصمات عصرها، وقد تتضمن هوامش بخط المؤلف، أو توقيعات ملاك سابقين، أو تعليقات علماء وباحثين، وهي عناصر تمنح النسخة الأصلية قيمة علمية وثقافية لا يمكن استنساخها رقمياً.
ويحذر باحثون من أن فقدان هذه الكنوز سيؤدي إلى خسائر معرفية متراكمة، تبدأ بإضعاف الدراسات التاريخية والإنسانية، ولا تنتهي بحرمان الأجيال المقبلة من الاطلاع على مصادرها الأصلية، بما يهدد استمرارية الذاكرة الإنسانية.

الابتكار والاستنزاف
ويتخوف باحثون من أن يؤدي الطلب المتزايد على الكتب النادرة إلى انتقالها تدريجياً من رفوف المكتبات العامة والجامعات إلى مجموعات خاصة أو جهات تجارية، بما يقلص فرص وصول الباحثين إليها، ويؤثر سلباً في الدراسات التاريخية والإنسانية.
كما يحذرون من أن تحويل الكتب النادرة إلى مجرد مواد تدريبية لخوارزميات الذكاء الاصطناعي قد يفتح الباب أمام شكل جديد من الاستنزاف الثقافي، تستفيد فيه التكنولوجيا من التراث دون أن تسهم بالقدر الكافي في حمايته وصونه.

تنوع ودقة

وفي هذا السياق، قال خبير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي د. أحمد بانافع، في تصريحات خاصة لـ«البيان»، إن الذكاء الاصطناعي يعتمد على البيانات، وكلما ارتفعت جودة البيانات وتنوعها ازدادت دقة النماذج وكفاءتها. وتمثل الكتب النادرة أحد أغنى مصادر المعرفة الإنسانية، لأنها تضم مخطوطات ووثائق وأفكاراً تاريخية لا تتوافر في المصادر الرقمية التقليدية.
وأضاف أن المشكلة ليست في استخدام الكتب النادرة لتطوير الذكاء الاصطناعي، وإنما في الطريقة التي يتم بها ذلك، موضحاً أن الكتاب النادر ليس مجرد نص يمكن نسخه، بل شاهد تاريخي يحمل قيمة ثقافية وعلمية ومادية مستقلة، بما يتضمنه من نوع الورق، وأساليب الطباعة، والهوامش، وأختام الملكية، وآثار الاستخدام عبر العقود والقرون.
وأكد أن أي تلف يصيب النسخة الأصلية أثناء عمليات الرقمنة أو المسح الضوئي يمثل خسارة لا يمكن تعويضها، لأن النسخة الرقمية، مهما بلغت جودتها، لن تكون بديلاً عن الأصل.

خسائر بحثية

وأشار د. أحمد بانافع إلى أن تزايد الطلب على الكتب النادرة قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعارها، وانتقالها من المكتبات العامة والمؤسسات الأكاديمية إلى جهات خاصة أو شركات تجارية، وهو ما يقلل فرص وصول الباحثين إليها، وقد يؤدي إلى اختفاء بعض النسخ الفريدة من التداول الأكاديمي.
وشدد على أن المطلوب ليس وقف الاستفادة من هذه الكتب، وإنما تنظيم استخدامها عبر مبادرات وطنية ودولية تعتمد تقنيات تصوير متقدمة وغير تلامسية تحافظ على سلامة النسخ الأصلية، إلى جانب سن تشريعات واضحة تُلزم شركات الذكاء الاصطناعي باستخدام النسخ الرقمية المرخصة بدلاً من التعامل المباشر مع الأصول التاريخية.
ولفت إلى أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يكون وسيلة لحماية التراث وإتاحته للأجيال المقبلة، لا سبباً في فقدانه، لأن التقدم الحقيقي هو الذي ينجح في الجمع بين الابتكار وصون ذاكرة الحضارة الإنسانية.

التوظيف السيئ

«لا تقف تداعيات الذكاء الاصطناعي عند حدود الحفاظ على الكتب النادرة، بل تمتد إلى مستقبل الإبداع والتأليف».
هذا ما يؤكده د. يوسف نوفل – الحائز على جائزة النيل في الآداب لهذا العام، وأستاذ النقد الأدبي بجامعة عين شمس، وعضو المجمع العلمي المصري، حيث أشار في تصريحات خاصة لـ«البيان»، إلى أن الأدب والثقافات والحضارات شهدت عبر التاريخ تحولات كبرى، مثل ظهور السينما والتلفزيون والثورة الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي، وأن جميعها قوبلت في بداياتها بالدهشة قبل أن تظهر آثارها الإيجابية، مضيفاً: «إن الذكاء الاصطناعي، رغم ما يمثله من تقدم علمي، كشفت سلبياته بسرعة، مستشهداً بتجربة شخصية خلال إشرافه على مسابقة إحسان عبدالقدوس في فروع الرواية والقصة القصيرة والمقال، حيث تقدم أحد المشاركين بشكوى ضد أحد الفائزين، متهماً إياه بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي في إعداد عمله».
وأوضح نوفل أن آخرين رأوا أن تشابه بعض النصوص أو الاقتباسات لا يمثل دليلاً قاطعاً، بعدما أظهرت تجارب إدخال نصوص مختلفة إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي نتائج متشابهة، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً حول معايير الأصالة، وانتهى باعتذاره عن عدم الاستمرار في الإشراف على المسابقة.

تداعيات وتبعيات
وأكد نوفل انطلاقاً من هذه التجربة، أن الذكاء الاصطناعي، بقدر ما له من فوائد، فإنه في المجال الفكري والتأليفي والإبداعي، وفي فروع المعرفة المتنوعة وليس الأدب فقط، له سلبيات تمثلت في وجود اتهامات بالسرقة والاقتباس واختلاط التأليف، متسائلاً: «فما بالك بما نطرحه الآن من التوظيف السيئ للذكاء الاصطناعي في مجال الكتب والمخطوطات النادرة؟، وما يترتب على ذلك من تبعيات ثقافية وعلمية وخسائر مهولة قد تتوالى فكرياً وحضارياً ومعرفياً وإبداعياً.
ولفت إلى أن سوء توظيف الذكاء الاصطناعي قد ينعكس سلباً على الحضارات، لأن الحضارة الإنسانية تقوم في جوهرها على التفاعل والتراكم المعرفي بين الثقافات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى