آداب و ثقافة

المخرج محمد خميس: “شارع غزة” رحلة سينمائية توثق 6 قصص بطولية من قلب الحرب

من قلب الدمار، وبين أصوات القصف ومحاولات النجاة، لا تزال هناك مواهب فلسطينية تتمسك بالحياة، وتبحث عن مساحة صغيرة لممارسة الفن والرياضة وأسعاد الجمهور، وكأنها تقاوم الحرب بطريقتها الخاصة، وهذه الحكايات الإنسانية كانت محور الفيلم الوثائقي الطويل “شارع غزة” أو كما يطلق عليه “Gaza Gatan” باللغة السويدية، للمخرج والمؤلف الفلسطيني محمد خميس، الذي اختار أن يوثِّق من خلاله قصص 6 أبطال من غزة، لم تمنعهم الحرب من التمسك بأحلامهم ومواهبهم، في رحلة سينمائية استغرقت 3 سنوات من التصوير، وأكثر من عام في المونتاج.

6 حكايات من غزة

وتحدَّث المخرج محمد خميس، لموقع القاهرة الإخبارية، عن تفاصيل المشروع، موضحًا أن الفيلم يسلِّط الضوء على 6 شخصيات فلسطينية تمثل نماذج مختلفة من الإصرار على مواصلة الحياة، رغم ما خلفته الحرب من خسائر ودمار.

وتبدأ الحكايات مع أحمد أبو حلوب، مدرب ولاعب السيرك، الذي فقد جميع أدواته في بداية الحرب إثر قصف عربة السيرك الخاصة به لكنه لم يستسلم، وبدأ في صناعة أدوات جديدة بإمكانات بسيطة، ليواصل تقديم العروض للأطفال مع فرقة “نجوم للسيرك”، التي كانت تضم مدرسة تعرضت للقصف، دون أن يتوقف أعضاؤها عن أداء رسالتهم الفنية، ورغم تعرض المناطق المحيطة به للقصف أكثر من مرة أثناء توجهه إلى عروض السيرك، ظل متمسكًا بعمله.

ويضيف:” أما البطل الثاني فهو علاء حسين، مدرب ولاعب الفنون القتالية والكونغ فو، الذي كان يمتلك ناديًا رياضيًا قبل الحرب، قبل أن يتعرض للقصف، ويخسر عددًا كبيرًا من لاعبيه، الذين تجاوز عددهم 200 لاعب، ومع انهيار المكان الذي اعتاد التدريب فيه، قرر مواصلة رسالته الرياضية، فبدأ تدريب الأطفال في البحر وأمام الخيام، متحديًا الظروف الصعبة التي فرضتها الحرب”.

تابع: “بينما تظهر رولا دلول، الصحفية التي وجدت في الموسيقى مساحة لمقاومة القسوة المحيطة بها، إذ اتجهت خلال الحرب إلى عزف الجيتار وتدريب الفتيات الصغيرات، لتمنحهن فرصة للتعبير عن أنفسهن من خلال الفن، وتساعدهن على التمسك بمساحة من الأمل وسط أجواء الحرب”.

ومن بين أبطال الفيلم أيضًا الطفل يوسف سعد، عازف العود الذي بدأ رحلته الموسيقية في التاسعة من عمره، وأصبح يخرج يوميًا للعزف على العود وتقديم الأغاني الوطنية بمشاركة أطفال وأهالي غزة، رغم الصعوبات التي واجهها، خاصة بعد فقدان صديقه المقرب خلال الحرب.

كما يوثِّق الفيلم حكاية محمود الغرباوي، لاعب الباركور الذي مارس هذه الرياضة لأكثر من 15 عامًا، ولم يتوقف عن تقديم عروضه فوق أنقاض المباني والدمار، رغم فقدانه شقيقه خلال الحرب، وما تركته هذه التجربة من أثر نفسي بالغ عليه.

وتكتمل الحكايات مع حمزة ضاهر، الشاب الذي يمارس رياضة التزلج على الألواح “سكيت بورد”، ويواصل البحث يوميًا عن مكان مناسب لممارسة هوايته، بعدما تحولت المساحات التي اعتاد استخدامها إلى مناطق تعاني من الدمار، في مواجهة يومية للحفاظ على شغفه بالرياضة.

مراحل تنفيذ الفيلم

وعن مراحل تنفيذ الفيلم، أوضح محمد خميس أن التصوير استغرق نحو 3 سنوات، بينما امتدت مرحلة المونتاج إلى عام و3 أشهر، مشيرًا إلى أنه تولى مهمتي الإخراج والمونتاج بنفسه.

وأضاف أن التصوير بدأ في عام 2024 مع أحمد أبو حلوب، قبل أن يتوقف لفترة بسبب المجاعة والظروف الإنسانية الصعبة والتحديات التي واجهته خلال الحرب، ثم استكمل العمل على المشروع رغم التعقيدات المتواصلة.

وأكد أن الفيلم يمثل مشروعًا استثنائيًا، إذ يجمع ست حكايات لمواهب فلسطينية في عمل وثائقي واحد، جرى تصوير معظم مشاهده داخل غزة، بمشاركة أكثر من 6 مصورين فلسطينيين عملوا في ظروف الحرب، إلى جانب مصور في السويد، حيث صُوِّرت بداية الفيلم، نظرًا إلى أنه يقيم هناك، كما تعاون خميس في التأليف مع أحمد أبو حلوب، فيما وضع الموسيقى التصويرية المبدع المصري مينا سامي، في حين تولى خميس إخراج الفيلم ومونتاجه.

وأوضح “خميس” أن الفكرة الأساسية وراء المشروع كانت تقديم صورة مختلفة عن غزة، من خلال تسليط الضوء على ما تبقى من الحياة والمواهب والأشخاص الذين لا يزالون يحاولون ممارسة أنشطتهم رغم كل ما تعرضوا له، لافتًا إلى أن مدة الفيلم تصل إلى 78 دقيقة.

ووصف المخرج الفلسطيني الفيلم بأنه من أصعب المشروعات السينمائية التي خاضها، مؤكدًا أن جميع أحداثه حقيقية، وأن العمل على مدى أكثر من 3 سنوات كان محفوفًا بالخطر، في ظل القصف المستمر وصعوبة التواصل عبر الإنترنت، والقلق الدائم على حياة أبطال الفيلم الذين كان من الممكن أن يتعرضوا للخطر في أي لحظة.

وأشار إلى أن بعض المشاهد وثَّقت لحظات شديدة الخطورة، من بينها تعرض منطقة قريبة من أحمد أبو حلوب للقصف أثناء توجهه إلى أحد عروض السيرك، وكان برفقته ابن شقيقته الطفل زين، وهو ما يعكس طبيعة الظروف التي جرى فيها تصوير العمل.

أوضح أن المشروع يستعد للانتقال إلى مرحلة التوزيع بعد 16 نوفمبر الجاري، بالتعاون مع الموزع المصري فادي عطالله، تمهيدًا لوصول هذه الحكايات الإنسانية إلى جمهور أوسع، ليبقى “شارع غزة” شهادة سينمائية على مواهب اختارت أن تتمسك بالحياة، حتى في أكثر اللحظات قسوة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى