مضائق وحروب و”فلسطين حاضرة بلا فلسطينيين”.. ماذا يناقش العالم في نيويورك؟
أكثر اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ازدحاماً

سمانيوز/ متابعات /حسين جمو
تستقبل نيويورك هذا الأسبوع واحداً من أكثر اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ازدحاماً بالملفات منذ سنوات. فنحو 130 رئيس دولة وحكومة يتجهون إلى مقر المنظمة في وقت تتسع فيه الحروب في الشرق الأوسط، وتتواصل الحرب في أوكرانيا وتتصاعد، ويصعد الذكاء الاصطناعي للمرة الأولى تقريباً إلى مرتبة القضايا الأمنية والسياسية الكبرى، بينما تواجه الأمم المتحدة نفسها أسئلة تتعلق بدورها وتمويلها وهوية أمينها العام المقبل.
وتنعقد الدورة الـ81 تحت عنوان «استعادة الثقة، وإدارة التحول: أمم متحدة تحقق النتائج للجميع»، في وقت تتراجع فيه الثقة بقدرة المؤسسات الدولية على التأثير في الأزمات الكبرى. وتحدد رئاسة الجمعية العامة برنامج الدورة عبر محاور مترابطة تشمل السلام والتنمية وحقوق الإنسان وحماية النظام متعدد الأطراف.
الحروب تعود إلى قلب الجمعية
يتصدر الشرق الأوسط وأوكرانيا المناقشات السياسية. وتأتي الاجتماعات فيما تستمر تداعيات حرب إيران على الاقتصاد العالمي وبيئة الاستقرار في الشرق الأوسط والعالم واحتمال توسع هذا الصراع مع الهجوم الذي تشنه ميليشيا الحوثي بالقرب من مضيقة باب المندب.
ومن المقرر أن يشارك الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في الاجتماعات، بينما ستكون التطورات الإقليمية محور لقاءات واتصالات عديدة على هامش الجمعية العامة.
ويعقد ترامب على هامش اجتماعات نيويورك لقاء مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي، ينتظر أن يتركز على الحرب مع إيران ومستقبل الترتيبات الإقليمية في حال الانتقال إلى خفض التصعيد أو مرحلة ما بعد الحرب.
تبقى القضية الفلسطينية وحرب غزة من أكثر الملفات حضوراً في الجمعية العامة. ومن المقرر أن يتحدث الرئيس الفلسطيني محمود عباس عبر الفيديو بعد عدم حصوله على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة، بينما يلقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو كلمته الخميس.
وفي موازاة الكلمات الرسمية، تتحول نيويورك إلى ساحة للقاءات الدبلوماسية المتعلقة بمستقبل التسوية السياسية وحل الدولتين. ويكتسب ذلك أهمية إضافية بعد التحركات والاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية خلال الفترة الماضية، ما يجعل القضية الفلسطينية حاضرة في النقاش حول قدرة الأمم المتحدة على تحويل المواقف السياسية إلى مسارات دبلوماسية قابلة للتطبيق.
كما سيُعقد خلال الأسبوع إحاطة «رفيعة المستوى» لـ«مجلس السلام» الذي يرأسه ترامب، بحسب مصدر مطلع على الأمر. ويحمل ذلك مفارقة لافتة، بالنظر إلى أن ترامب سبق أن أشار إلى أن المجلس، الذي أنشئ للإشراف على إعادة إعمار غزة، قد يحل في نهاية المطاف محل الأمم المتحدة.
وفي الوقت نفسه، تخطط فرنسا لعقد اجتماع متابعة هذا الأسبوع بشأن حل الدولتين للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، بحسب مصادر دبلوماسية.
وكانت فرنسا وعدة دول غربية أخرى قد أعلنت خلال اجتماعات الجمعية العامة العام الماضي اعترافها بدولة فلسطين.
وفي الملف الأوكراني، يحضر الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى نيويورك، بينما يمثل روسيا وزير الخارجية سيرغي لافروف. وبعد أكثر من أربعة أعوام من الحرب، لم يعد النقاش مقتصراً على العمليات العسكرية، إذ تبرز أيضاً قضية الأمن الغذائي والطاقة وحركة الصادرات عبر البحر الأسود، وهي ملفات حذر الأمين العام أنطونيو غوتيريش من تداعياتها الأوسع على العالم.
وتكشف الحرب الأوكرانية مجدداً إحدى المعضلات الأساسية في عمل الأمم المتحدة. فمجلس الأمن هو المؤسسة المسؤولة عن السلم والأمن الدوليين، إلا أن امتلاك روسيا حق النقض يجعل قدرة المجلس على اتخاذ إجراءات لإنهاء الحرب محدودة، وهو مثال يتكرر في أزمات أخرى ويغذي النقاش بشأن إصلاح النظام الدولي.
الذكاء الاصطناعي يدخل مجلس الأمن
لكن الملف الأكثر اختلافاً عن دورات الجمعية العامة السابقة قد يكون الذكاء الاصطناعي. فقد أصبح تطور النماذج الأكثر تقدماً موضوعاً للنقاش بين الحكومات ومؤسسات التكنولوجيا والمنظمات الدولية، بعدما انتقلت المخاوف من تأثيراته الاقتصادية والاجتماعية إلى الحديث عن مخاطر أمنية عالمية محتملة.
وقال غوتيريش قبيل الاجتماعات إن الذكاء الاصطناعي سيكون من الموضوعات الرئيسية في محادثاته مع قادة العالم، داعياً الدول التي تتصدر تطوير هذه التكنولوجيا إلى وضع قنوات للتواصل وتبادل المعلومات و«ضوابط مشتركة» تحول دون سباق غير منظم.
وتبرز في هذا الملف أيضاً اختلافات واضحة في المقاربات. فبينما يدعو غوتيريش إلى بناء آليات دولية لإدارة المخاطر، قلل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من بعض التحذيرات المتعلقة بالتكنولوجيا، معتبراً أن الولايات المتحدة تملك بالفعل الضوابط اللازمة، ومحذراً في الوقت ذاته من أن القيود المبالغ فيها قد تمنح الصين أفضلية.
من يخلف غوتيريش؟
تنعقد الدورة الحالية أيضاً في الأشهر الأخيرة من ولاية أنطونيو غوتيريش، الذي يغادر منصبه في نهاية 2026 بعد ولايتين استمرتا 10 سنوات. ولهذا يدور في خلفية الاجتماعات سباق سياسي آخر لا يقل أهمية: اختيار الأمين العام العاشر للأمم المتحدة.
ويخوض ثمانية مرشحين السباق حتى الآن. وفي أحدث اقتراع غير رسمي داخل مجلس الأمن، تقدمت نائبة رئيس كوستاريكا السابقة ريبيكا غرينسبان بفارق محدود، إلا أن النتيجة لا تعني حسم السباق؛ إذ يحتاج اختيار الأمين العام في النهاية إلى توافق القوى الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، قبل أن يوصي المجلس بمرشح إلى الجمعية العامة.
ويضيف السباق بعداً آخر إلى اجتماعات نيويورك، لأن اختيار خليفة غوتيريش سيكون في الوقت نفسه نقاشاً غير مباشر حول الأولويات المقبلة للمنظمة: هل تركز بصورة أكبر على الأمن والحروب؟ أم التنمية والمناخ؟ أم التكنولوجيا وإدارة التحولات العالمية الجديدة؟
المال وإصلاح الأمم المتحدة
ولا تنفصل أزمة الدور عن أزمة التمويل. فالأمم المتحدة تواجه منذ سنوات ضغوطاً متزايدة على ميزانيتها، فيما تطالب واشنطن بتقليص النفقات وإجراء إصلاحات واسعة. وسددت الولايات المتحدة أخيراً جزءاً من مستحقاتها، الأمر الذي خفف جانباً من الضغوط المالية، لكن بقي أكثر من مليار دولار من الالتزامات الأمريكية غير المسددة للميزانية العادية.
هل ما زالت الأمم المتحدة ضرورية؟
غياب الرئيس الصيني شي جينبينغ عن اجتماعات نيويورك هذا العام، وتوجهه بدلاً من ذلك إلى واشنطن للقاء ترامب، أعاد النقاش حول ما إذا كانت القضايا الكبرى باتت تُحسم بصورة متزايدة عبر المفاوضات المباشرة بين القوى الكبرى أكثر مما تُحسم عبر المؤسسات متعددة الأطراف.
ومع ذلك، فإن وجود نحو 130 رئيس دولة وحكومة في مكان واحد يقدم الصورة المقابلة أيضاً. فحتى في ظل تراجع قدرة الأمم المتحدة على فرض الحلول، تبقى المنظمة المكان الوحيد تقريباً الذي تستطيع فيه جميع دول العالم، الكبيرة والصغيرة، الاجتماع ضمن مؤسسة واحدة ومناقشة القواعد والأزمات والمصالح المتعارضة.
