أخبار دولية

18 عاماً و60 ألف عامل.. قصة عملاق نووي تحوّل إلى مزار سياحي

سمانيوز/ متابعات/ وائل زكير
داخل جبل في جنوب غربي الصين، تختبئ قصة مشروع نووي سري استغرق بناؤه 18 عاما، وشارك فيه نحو 60 ألف عامل وجندي خلال الحرب الباردة. صُمم المجمع لإنتاج البلوتونيوم المستخدم في صناعة الأسلحة النووية، لكن المشروع توقف قبل تشغيل مفاعله، ليتحول بعد عقود من السرية إلى مزار سياحي يكشف جانبا من تاريخ الصين النووي.
ويُعرف الموقع باسم «مشروع 816»، ويقع داخل جبل جينزي قرب نهر وو في منطقة فولينغ بمدينة تشونغتشينغ. ويضم شبكة واسعة من الكهوف والأنفاق والممرات المحفورة في الصخر، إلى جانب قاعات ضخمة صُممت لاستيعاب المنشآت والمعدات النووية. ورغم حجم الأعمال التي أُنجزت فيه، لم يبدأ المفاعل العمل، ولم ينتج المشروع أي بلوتونيوم.
مشروع سري
بدأ المشروع عام 1966 ضمن ما عُرف باسم «الجبهة الثالثة»، وهي حملة صينية هدفت إلى نقل الصناعات الاستراتيجية والمنشآت العسكرية إلى مناطق داخلية يصعب استهدافها. وجاء ذلك في ظل تصاعد المخاوف من هجوم محتمل على المنشآت الصناعية والعسكرية، عقب الانقسام الصيني السوفيتي.
كانت الصين تمتلك بالفعل منشأة لإنتاج المواد النووية في مقاطعة قانسو تُعرف باسم «مشروع 404»، لكن مشروع 816 استهدف إنشاء قاعدة إضافية داخل جبل، توفر الحماية الطبيعية التي تمنحها الصخور، إلى جانب الاستفادة من مياه نهر وو لأغراض التبريد.
ولم تقتصر السرية على طبيعة المنشأة، بل امتدت إلى محيطها والعاملين فيها. فقد نُقل سكان من المناطق القريبة، وأُخفيت معلومات عن الموقع، فيما خضع التواصل بشأن العمل لقيود مشددة. وكان بعض المراسلات يُرسل عبر صندوق بريد مرقم في تشونغتشينغ، لتجنب الكشف عن الموقع الفعلي للمشروع.
18 كهفا وقاعة بارتفاع 80 مترا
على مدى 18 عاما، شارك أكثر من 60 ألف جندي وعامل وخبير في حفر الجبل وتجهيز المنشأة. وأزالت فرق العمل نحو 1.5 مليون متر مكعب من الصخور، لتشكيل مجمع تحت الأرض يمتد على مساحة تقارب 104 آلاف متر مربع.
ويضم الموقع 18 كهفا كبيرا، وأكثر من 130 ممرا وطريقا وبئرا، فيما يصل ارتفاع أكبر قاعاته إلى نحو 79.6 مترًا، أي ما يعادل مبنى من 20 طابقًا تقريبًا. وصُممت المنشأة لتوفير حماية كبيرة من الانفجارات والهزات الأرضية، وأصبحت تُصنّف ضمن أضخم المنشآت المحفورة صناعيًا تحت الأرض، لكن تنفيذ هذا العمل الضخم لم يكن خاليًا من المخاطر. فقد واجه العمال الغبار والأبخرة الناتجة عن التفجير واحتمالات انهيار الصخور، وفقا لـ “dailygalaxy”.
لماذا توقف المشروع قبل تشغيله؟
لم يتوقف المشروع فجأة، بل شهدت أعماله تباطؤًا على مراحل. ففي أبريل 1981، تباطأ البناء قبل استئنافه في أكتوبر من العام نفسه، ثم عاد التباطؤ في مايو 1982. وبحلول تلك الفترة، بدأت تتراجع مبررات إنشاء قاعدة إنتاج نووي إضافية، في وقت كانت فيه المنشأة لا تزال قيد البناء.
كما لعب التطور التكنولوجي دورا في تقليص جدوى المشروع، فقد أشار المهندس السابق لي جيارو، في تصريحات عام 2010، إلى أن التكنولوجيا النووية التي اعتمدت عليها المنشأة أصبحت قديمة، بعد سنوات طويلة من أعمال الإنشاء والتجهيز.
وفي يونيو 1984، وافق مجلس الدولة واللجنة العسكرية المركزية رسميًا على وقف العمل. وكان نحو 85% من أعمال البناء المدني قد اكتمل، مقابل 60% فقط من أعمال تركيب المعدات، ما يعني أن المنشأة، رغم حجمها الهائل، لم تكن جاهزة للتشغيل.
وبذلك انتهت رحلة استمرت 18 عاما من دون إنتاج البلوتونيوم الذي أُنشئت المنشأة من أجله. وقد بلغت استثمارات البناء نحو 740 مليون يوان، وفق الأرقام الواردة عن المشروع، من دون احتساب النفقات العسكرية وتكاليف العمالة.
من منشأة نووية سرية إلى وجهة سياحية
بعد التخلي عن الغرض النووي الأصلي، استُخدمت أجزاء من المجمع في أنشطة صناعية مدنية، فيما بقيت مساحات واسعة من الأنفاق والقاعات خارج الاستخدام. وظلت المنشأة محاطة بالسرية سنوات طويلة، قبل رفع السرية عنها عام 2002.
وفي عام 2010، فُتح الموقع أمام السياح الصينيين، ثم بدأ استقبال الزوار الأجانب في أواخر عام 2016. وتحول مشروع 816 تدريجيًا إلى وجهة تستقطب المهتمين بالتاريخ الصناعي والعسكري، وتتيح لهم استكشاف جانب من مرحلة حساسة في تاريخ الصين الحديث.
وبحسب صحيفة «تشاينا ديلي»، استقطب الموقع نحو 900 ألف زائر في عام 2025، بعدما تحوّل من منشأة عسكرية سرية إلى وجهة تتيح للزوار استكشاف أنفاقه وقاعاته المحفورة في قلب الجبل، والتعرف إلى فصل غير مألوف من تاريخ البرنامج النووي الصيني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى