أخبار عربية

مصر على طاولة قمة السبع.. وترامب يُعيد رسم قواعد اللعبة الأطلسية

سمانيوز /القاهرة الإخبارية – سامح جريس

للمرة الثانية، تجلس مصر على طاولة قمة مجموعة السبع، التي تنتطلق من اليوم 15 يونيو حتى 17 يونيو في مدينة “إيفيان-لي-بان” الفرنسية، لكن هذه المرة بدعوة مباشرة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وبوصفها شريكًا إستراتيجيًا لا ممثلًا لتكتل إقليمي، وفي وقت تعيش فيه العلاقة الأطلسية أحد أكثر فصولها توترًا منذ عقود، يرى محللون، في تصريحات خاصة لموقع قناة القاهرة الإخبارية، أن هذه القمة قد تكون لحظة فارقة في إعادة تشكيل موازين الحوكمة الدولية.

دعوة تحمل رسالة

يقرأ د. عبد الغني العيادي، المستشار السابق في البرلمان الأوروبي، في تصريح خاص لموقع قناة القاهرة الإخبارية، هذه الدعوة في سياق “تحول بنيوي في فلسفة العلاقات الأوروبية–الإفريقية والعربية، يتجاوز التعديل الدبلوماسي التقليدي ليمس منطق العلاقة ذاته”.

ويستشهد بتصريح ماكرون أمام سفراء بلاده في يناير 2026، حين أعلن: “لقد غيّرنا البرمجة كليًا منذ خطاب واجادوجو، إنها شراكة ندية”، مؤكدًا أن الشراكة مع إفريقيا والعالم العربي باتت تمثل أولوية إستراتيجية فرنسية وأوروبية حقيقية قائمة على منطق “رابح–رابح”.

ويربط العيادي هذه الدعوة بمسار متراكم من المؤشرات، أبرزها توقيع الاتحاد الأوروبي مع القاهرة في مارس 2024، شراكةً إستراتيجية شاملة بقيمة 7.4 مليار يورو للفترة 2024–2027، وتكثيف العلاقات المصرية–الفرنسية عبر زيارتَي ماكرون للقاهرة في أبريل 2025 ومايو 2026، وهو ما يعكس في تقديره انتقال مصر من موقع “الشراكة المؤسسية” إلى موقع “الشريك الإستراتيجي المباشر”.

د.عبدالغني العيادي المستشار السابق في البرلمان الأوروبي

وتتفق مع هذه الرؤية د. منال خليفة، الباحثة والمحللة السياسية وعضو حزب النهضة الفرنسي، إذ قالت، في حديثها لموقع قناة القاهرة الإخبارية، إنها ترى أن الدعوة تُجسد “إعادة تعريف مفهوم الشراكة الدولية خارج الإطار التقليدي لمجموعة السبع”، مضيفةً أن توقيتها لا يمكن فصله عن إعادة التموضع الإستراتيجي الذي تشهده المنطقة في أعقاب الحرب الإيرانية–الإسرائيلية، وتصاعد الحاجة إلى وسطاء وشركاء قادرين على إنتاج الاستقرار.

وتُشير خليفة إلى أن مصر باتت حاضرةً في ملفات لا يمكن تجاوزها، من غزة إلى أمن البحر الأحمر والملف الليبي والتوازنات العربية–الأمريكية وسلاسل الإمداد العالمية.

تفاوض داخل التحالف لا انهيار

على صعيد العلاقة المتوترة بين أوروبا وإدارة ترامب، يؤكد العيادي للقاهرة الإخبارية أن التباين بات “أكثر وضوحًا”، مستندًا إلى فرض واشنطن رسومًا جمركية لا تقل عن 10% على واردات متعددة، وإلى مفاجأة قمة كندا 2025 التي انتهت دون بيان ختامي مشترك في سابقة لافتة. غير أنه يستبعد القطيعة، مستندًا إلى الترابط الاقتصادي البنيوي مع سوق أوروبية تتجاوز 450 مليون مستهلك، وإلى التزام دول الناتو في 2025، بتخصيص 2% من ناتجها المحلي للدفاع، الذي خفف أحد أبرز مصادر التوتر التاريخية.

وتصف د. منال المشهد بأنه انتقال من مرحلة “التحالف التلقائي” إلى مرحلة “التفاوض داخل التحالف”، متوقعةً أن تخرج القمة بتفاهمات جزئية حول الأمن والطاقة والاستقرار الإقليمي، مع استمرار الخلاف في ملفات التجارة والحوكمة.

عضو حزب النهضة الفرنسي والمحللة السياسية د. منال خليفة
أوروبا ترد بالأرقام وترامب يُغير قواعد اللعبة

في مواجهة العقلية التفاوضية لإدارة ترامب التي “لا تعتبر التحالف قيمة بحد ذاته بل أداة تحقق مكاسب ملموسة”، يرصد العيادي تحولًا أوروبيًا واضحًا من الخطاب السياسي إلى لغة الالتزامات العملية، إذ رفعت ألمانيا إنفاقها الدفاعي إلى 2.39% من ناتجها المحلي، والمملكة المتحدة إلى 2.31%، وفرنسا إلى 2.05%، فيما بات سقف الـ2% داخل الناتو يُعامَل “كحد أدنى لا كهدف”.

ويرى العيادي أن أوروبا ماضية في بناء “قوة مركبة” تجعل واشنطن تتعامل معها ندًا للند، بعيدًا عن منطق التنمر وفرض الأمر الواقع.

وتُشاركه د. منال الرأي في أن إشراك دول كمصر والهند والبرازيل، في القمة، يعكس “إدراكًا متزايدًا بأن الحوكمة العالمية لم تعد تُدار من الغرب وحده”، وأن قمم السبع، رغم تراجع هيمنتها في عالم أكثر تعددية، تحتفظ بقيمتها في “التنسيق السياسي السريع بين الاقتصادات الديمقراطية الكبرى”.

مصر أمام ملفات ساخنة

يُحدد الضيفان ثلاثة ملفات محورية تجعل الحضور المصري ذا ثقل حقيقي. أولها ملف الهجرة، الذي خصص له الاتحاد الأوروبي نحو 200 مليون يورو ضمن حزمة التعاون مع القاهرة. ويُحذر العيادي من مخاطر “منطق التفويض”، مستشهدًا بما تعيشه بعض الدول الإفريقية من احتقان جراء استيطان المهاجرين العابرين، داعيًا مصر إلى التفاوض “من موقع قوة” يخدم مصالحها الوطنية.

وثانيها ملف الأمن الإقليمي، الذي دعا ماكرون من أجله قادة مصر والسعودية وقطر والإمارات لجلسة مخصصة لبحث الحرب في الشرق الأوسط، في إقرار ضمني بالدور المحوري لهؤلاء الفاعلين.

وثالثها ملف الطاقة وسلاسل الإمداد، إذ يمنح موقع مصر على قناة السويس وارتباطها بشرق المتوسط وأسواق إفريقيا، ورقةً تفاوضية استثنائية.

ويختتم العيادي بخلاصة مزدوجة، وهي أنه لا ملائكية في العلاقات الدولية، وكل طرف يتحرك وفق مصالحه، وعلى مصر ودول الجنوب أن تنتقل من “موقع التلقّي إلى موقع الفعل”، عبر قراءة التحولات الدولية بوعي إستراتيجي يُرسخ الندية الحقيقية.

وهو ما تُعبر عنه د. منال بالإشارة إلى أن مصر باتت “فاعلًا قادرًا على التأثير”، شريطة أن يترجم هذا الحضور مبادراتٍ عملية لا مجرد تموضع سياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى