على صفيح عالمي ساخن.. «باب المندب» مضيق «المصير المجهول» هل يُستغنى عنه، وماهي البدائل .. ؟

سمانيوز / تقرير
مضيق باب المندب هو ممر مائي ضيق يتراوح عرضه ما بين 24 إلى 32 كم.يصل ما بين البحر الأحمر غرباً بخليج عدن والمحيط الهندي جنوبًا ويفصل بين جيبوتي في أفريقيا واليمن في آسيا، يتوسط القارات الخمس، ويربط الشرق بالغرب ويمر عبره ما إجمالية 12% من الاقتصاد العالمي.
وفي سياقه قالت الباحثة في المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب الأستاذة إكرام زيادة : يحظى أمن الملاحة البحرية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر باهتمامات دولية وإقليمية متزايدة، وأصبح مضيق باب المندب الذي يقع بين منطقة القرن الإفريقي المكتظة بالصراع وشبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر ساحة للتنافس الإقليمي ومنصة انطلاق لأعمال القرصنة والاتجار بالبشر والإرهاب، وتؤكد المخاوف الأمنية على امتداد السواحل إلى جانب تنامي الاهتمام بالاستثمارات في منطقة القرن الإفريقي على ضرورة حماية حرية الملاحة والتدفق الحر للتجارة البحرية.
وأضافت الأستاذة زيادة : أن القرن الإفريقي موقع جغرافي استراتيجي ويقصد بمنطقة القرن الإفريقي جغرافيا ذلك الجزء الممتد على اليابسة الواقع غرب البحر الأحمر وخليج عدن على شكل قرن ، وهو بهذا المفهوم يشمل أربع دول هي الصومال وجيبوتي وإريتريا وإثيوبيا، بينما تتسع المنطقة أكثر عند النظر لها من زاوية سياسية واقتصادية لتشمل كينيا والسودان وجنوب السودان وأوغندا. ووفقاً لهذا المفهوم فإنها تمثل منطقة شرق إفريقيا المتحكمة بمنابع النيل والمسيطرة على مداخل البحر الأحمر وخليج عدن وهي إن لم تكن جزءاً رئيسياً من القرن الإفريقي فهي امتداد حيوي له. كما عددت الاستاذة زيادة عدد الدول والموانئ الاستراتيجية المستفيدة من المضيق.
وأضافت قائلة : تحول باب المندب منذ افتتاح قناة السويس عام 1869 وربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط، إلى واحد من أهم ممرات النقل والمعابر البحرية بين أوروبا وحوض البحر المتوسط، وعالم المحيط الهندي وشرق إفريقيا.
ومما زاد أهمية الممر، أن عرض قناة عبور السفن بين جزيرة بريم والبر الإفريقي هو (16) كيلومتراً وعمقها (100-200) متر مما يسمح للسفن وناقلات النفط بعبور الممر بسهولة في الاتجاهين، علماً أن المسافة بين ضفتي المضيق هي (30) كيلومتراً من رأس منهالي في الجانب الآسيوي إلى رأس سيان في الجانب الإفريقي. ويحتل مضيق باب المندب المرتبة الثالثة عالمياً بعد مضيقي ملقا وهرمز، حيث يمر عبره يومياً (3.3) مليون برميل نفط، وتمثل (4%) من الطلب العالمي على النفط. كما ترتبط حركة التجارة العالمية ارتباطًا قويًا باستقرار مضيق باب المندب والبحر الأحمر، حيث تمر عبره (21) ألف سفينة سنوياً أي ما يعادل (10%) من الشحنات والبضائع البحرية العالمية بما في ذلك معظم أنشطة التبادل التجاري بين آسيا وأوروبا. ويعبر المضيق شحنات تقدر بنحو (700) مليار دولار أمريكي سنويًا من حجم التجارة في طريقها إلى قناة السويس ومن ثم إلى البحر الأبيض المتوسط. كما يمر (1.5) مليون برميل من النفط الخام يوميًا عبر الممرات المائية الاستراتيجية، حيث يتم تصدير ما يقرب من (10%) من إجمالي النفط الخام السعودي إلى أوروبا عبر هذا الممر المائي وبالإضافة إلى ذلك فإن الكمية الأكبر من الخام الأوروبي الوارد من جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط الكبير يمر عبر منطقة البحر الأحمر. مشيرةً إلى أن كل ذلك جعل المنطقة محل تنافس دولي جيواستراتيجي للسيطرة على القرن الإفريقي وباب المندب وقالت : زاد من أهمية منطقة مضيق باب المندب الاستراتيجية كونها تمثل منطقة اتصال مع شبه الجزيرة العربية الغنية بالنفط، فالموانئ وحاملات النفط والغاز والاتجار بالبضائع والأسلحة وعبور الأشخاص عوامل جعلت منها نقطة جذب وتركيز واهتمام من أطراف دولية وإقليمية عديدة تتصارع للحصول على موطئ قدم استراتيجي فيه، وتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية وعسكرية. ولذلك تحتشد في منطقة القرن الإفريقي القواعد العسكرية المختلفة .
خطر الحوثي يؤكد المخاوف الدولية بضرورة البحث عن بديل :
ونتيجة للقرصنة الحوثية وتهديدها المستمر للسفن التجارية المارة عبر الخط الدولي المحاذي للمياة الإقليمية اليمنية في البحر الأحمر والمياه الجنوبية في خليج عدن والبحر العربي تداعت عدد من الدول الكبرى واتفقت على تشكيل قوة ردع دولية لتأمين المضيق وحماية السفن التجارية المارة فيه من تهديدات الحوثي. ومؤخراً ارسلت الولايات المتحدة الأمريكية حاملة الطائرات النووية (ايزنهاور) اضافة إلى القطع البحرية الامريكية والبريطانية التي أرسلت في وقت سابق إلى المنطقة وبحسب موقع سيمافور الأمريكي أفاد بأن البيت الأبيض الأمريكي يدرس إمكانية شن ضربات محدودة ضد أهداف حوثية رداً على مهاجمة الأخير لبعض السفن التجارية وتهديده المتنامي لخطوط الملاحة الدولية.
في ذات السياق أعلنت شركة (مايرسك) وهي أكبر شركة شحن في العالم بدورها أنها ستوقف جميع عمليات الشحن بالحاويات عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب حتى إشعار آخر لتسلك مساراً آخر كبديل مؤقت حول أفريقيا، وأضافت الشركة في بيان لها أنه في أعقاب الحادث الوشيك الذي شهدته السفينة (جبل طارق) والهجوم الآخر على سفينة حاويات في مضيف باب المندب أصدرنا تعليمات إلى جميع سفن مايرسك في المنطقة المتّجهة للمرور عبر مضيق باب المندب بإيقاف رحلاتها حتى إشعار آخر.
كما أعلنت شركة (هاباج لويد) عن أنها هي الأخرى قرّرت تأجيل الإبحار لجميع سفنها عبر البحر الأحمر في الأيام المقبلة و بأنها ستقرّر بعد ذلك ما إذا كانت ستمدد وقف الرحلات البحرية أو لا.
قرصنة وسرقة حوثية من تحت عباءة القومية العربية :
وكانت مليشيات الحوثي قد أعلنت في وقت سابق تنفيذ عمليات عسكرية بحرية ضد عدد من السفن التجارية المسالمة منها سفينة الحاويات المسماة (جبل طارق) التابعة لشركة مايرسك الدانماركية التي قالت جماعة الحوثي إنها استهدفتها بطائرة مُسيّرة أصابتها إصابة مباشرة. الى جانب خطف سفينة جالاكسي وغيرها من السفن التجارية.
ووفق مصادر إعلامية فإن غالبية الشركات ستوقف مع الوقت مرور سفنها عبر باب المندب لتتحول المشكلة إلى أزمة عالمية بهدف تدويل القضية وفق ماتسعى إليه بعض الدول العظمى التي تسعى لاستصدار قرار أممي يشرعن تواجدها في المنطقة، ولكي تسير عملياتها العسكرية تحت غطائه.
هل بات البديل في متناول اليد أو إنما هي مسألة وقت؟
على هامش قمة مجموعة العشرين التي استضافتها الهند في مركز المؤتمرات بنيودلهي خلال الفترة من 9 إلى 10 ديسمبر 2023م أعلنت كل من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الهند والإمارات العربية المتحدة وجمهورية فرنسا وجمهورية ألمانيا الاتحادية وجمهورية إيطاليا والاتحاد الأوروبي توقيع مذكرة تفاهم بشأن مشروع إنشاء ممر اقتصادي جديد يربط الهند والشرق الأوسط وأوروبا.
وأكدت الدول آنفة الذكر بموجب مذكرة تفاهم تطلعها إلى العمل معاً على إنشاء ممر يربط الهند بالشرق الأوسط ومن ثم أوروبا والذي سيحفز التنمية الاقتصادية من خلال تعزيز الربط والتكامل الاقتصادي بين هذه المناطق.
ويتألف المشروع من ممرين منفصلين هما الممر الشرقي الذي يربط الهند مع الخليج العربي والممر الشمالي الذي يربط الخليج والأردن وفلسطين بأوروبا.
وتشمل الممرات سكة حديد ستشكل بعد إنشائها شبكة عابرة للحدود من السفن إلى السكك الحديدية لتكملة طرق النقل البرية والبحرية القائمة لتمكين مرور السلع والخدمات .
وسيعمل المشاركون على تقييم إمكانية تصدير الكهرباء والهيدروجين النظيف لتعزيز سلاسل الإمداد الإقليمية كونه جزءا من الجهود المشتركة لخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري ودمج جوانب الحفاظ على البيئة في المبادرة.
ختامًا .. تجدر الإشارة إلى أن الخط التجاري الجديد المزمع إقامته لن يمر عبر مضيق باب المندب ولا عبر قناة السويس وإنما سيسلك خطوطا بحرية وبرية تنطلق من الهند إلى الإمارات والسعودية مرورا بالأردن وفلسطين إلى البحر الأبيض المتوسط ومنه إلى أوروبا، ما ينبئ أن الحركة الملاحية والتجارية المارة بمضيق باب المندب وقناة السويس قد يصيبها بعض الركود في المستقبل. وهذا يدل على أن الدول الغنية لديها الاستطاعة على الاستغناء عن مضيق باب المندب ، وإنما هي مسألة وقت لاغير.
