تقارير

الأمم المتحدة بين علة الحياة والموت البطيء.

سمانيوز/تقرير / محمد مرشد عقابي:

أعتمدت الأمم المتحدة منذ إنشائها على المبدأ المريح القائل “إذا لم تكن لدينا الإمكانيات اللازمة، فيستوجب علينا خلقها”، مؤخراً وبعد احتفالها بالذكرى السنوية 75 لتأسيسها، لا تزال المنظمة الدولية تتمتع بموافقة وأسعة النطاق في استطلاعات الرأي العالمية، حيث تواجه الأمم المتحدة اليوم صعوبات لا يمكن تجاهلها.

ويرى العديد من المراقبين بان القضايا التي تدافع عنها الأمم المتحدة لا تحظى بأي اهتمام يذكر، والأسوأ من ذلك عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على السلام والأمن فإن الأمم المتحدة غالباً ما تتعرض لإحباط شديد بسبب اختلال مجلس الأمن التابع لها، والذي يعكس في حد ذاته عالماً منقسماً بشكل متزايد، كما ساهمت هذه الإنقسامات نفسها في إعاقة جهود الدفاع عن حقوق الإنسان كما حدث في الانتخابات الأخيرة التي منحت روسيا وكوبا والصين مقاعد في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

وحظيت الأمم المتحدة القوية بتأييد واسع النطاق من قبل الأعضاء فقط في سنواتها الأولى، سيما عهد ولاية الأمين العام “كوفي عنان” في أواخر التسعينيات، وبخلاف ذلك فقد عملت الأمم المتحدة عادة على مواجهة رياح معاكسة قوية وحالياً تعمل العديد من التغييرات السياسية والديموغرافية بشكل سريع على لإعادة تشكيل عالمها من جديد.

يقول عدد من الخبراء : معظم سكان العالم الآن شباب بشكل عام، وبما أن القوة الأميركية قد بلغت ذروتها، كما تتم إعادة توزيع القوة العالمية على الصين وغيرها من البلدان، في الوقت نفسه ساهمت جائحة كوفيد 19 في جعل العالم أكثر فقراً تماماً كما جعلته الرقمنة والتكنولوجيا أقل مساواة، وفي ظل ميثاق يستند بشكل مباشر إلى القيم الديمقراطية الليبرالية التي وضعها الفائزون في الحرب العالمية الثانية، عملت الأمم المتحدة جاهدة للتكيف مع النظام العالمي المتغير تحت قيادة أمينها العام الحالي “أنطونيو غوتيريش”، كما واصلت بشكل مثير للإعجاب السعي الدؤوب لتحقيق التكافؤ بين الجنسين والمزيد من التنوع فيما يتعلق بعملية تعيين الموظفين الخاصة بها، لا تزال العديد من الوظائف العليا في أيدي الدول الأعضاء المؤسسة، والأهم من كل ذلك تبدو المنظمة بعيدة كل البعد عن العالم الذي يمكث خارج اسوارها.

من جهتها حاولت الصين باعتبارها ثاني أكبر مساهم في الميزانية المقررة للأمم المتحدة على نحو متزايد تأكيد القيادة العالمية فيما يتعلق بقضية “تغير المناخ وقضايا أخرى” بعد تنازل أميركا في عهد الرئيس المنتهية ولايته “دونالد ترامب” عن مجمل تلك التفاصيل، وفي لقاء الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي انعقد في سبتمبر “أيلول” الماضي، اتخذ الرئيس الصيني “شي جين بينغ” خطوة جريئة بالغة الأهمية متعهداً بأن تصبح بلاده محايدة للكربون بحلول عام 2060م، لذا فإن النظام نفسه الذي التزم بتحقيق الإستدامة البيئية يضطهد بوحشية “الأويغور” الأقلية المسلمة في الصين، ناهيك عن بلدان العالم التي لاتزال تعاني من الحكم الإستبدادي بدءً من الطغاة الذين يستغنون عن التظاهر حتى بالشرعية الديمقراطية إلى المستبدين المنتخبين الذين تسببوا في تقويض المؤسسات الديمقراطية وفرضوا قيوداً على سلطتهم، فإن التحدي الذي يواجه الأمم المتحدة اليوم يتلخص في وضع أجندة عملية قابلة للتحقيق دون خيانة ميثاقها التأسيسي والتزامها بحقوق الإنسان والحريات الأخرى.

وبحسب مراقبين يتعين على الأمم المتحدة الإستفادة من نقاط قوتها الحالية بصفتها ممثلة “للحقوق الجماعية” لهذا فهي تتمتع بصلاحية واسعة ووضع فريد ومريح يسمح لها بحشد الطاقات والجهود للتصدي للقضايا الحاسمة مثل تغير المناخ الذي يهدد المزارعين الفقراء في البلدان النامية بقدر ما يهدد أثرياء “مانهاتن” المعرضين لخطر ارتفاع مستوى سطح البحر، وتظل أهداف التنمية المستدامة لعام 2030م التي تسعى إلى معالجة عدم المساواة والإقصاء الإجتماعي في جميع أنحاء العالم مثالاً للأمم المتحدة في أفضل حالاتها، وتوفر دعوة “غوتيريش” إلى عقد اجتماعي جديد للعصر الحديث الأرضية الصلبة التي تبنى عليها منافع عالمية لا غنى عنها من خلال إنتاج جداول تصنيف التنمية البشرية وتنظيم تحالفات واسعة النطاق لتحقيق تقدم ثابت بشأن المؤشرات الرئيسية للرفاهية.

ويقع على عاتق المنظمة الدولية واجب الإبلاغ عن انتهاكات حقوق الإنسان أينما وجدت، وعلى الرغم من أنه ينبغي عليها التعامل بحرص فيما يتعلق بتمرير الأدلة إلى الآخرين وإصدار الإدانات، إلا أنها يجب أن تظل مصرة على تحقيق هدفها الذي أنشئت لأجله ويشمل أفضل حلفائها مجموعات المجتمع المدني والدول الشجاعة المستعدة لتحدي المصالح التجارية أو السياسية الضيقة، وعلى النقيض من ذلك ربما يتعين على الأمم المتحدة أن تخضع لمنطق الحرب الباردة في القرن الحادي والعشرين، وسيبقى مجلس الأمن بحسب ترجيحات الخبراء والمهتمين والمراقبين غير فعال حتى يتم إصلاحه، وهو احتمال بعيد المنال، لكن هناك العديد من الطرق والحلول للتغلب على هذا العجز.

وأطلقت الأمم المتحدة دون الرجوع إلى مجلس الأمن مبادرات حاسمة لمعالجة الأزمات الإنسانية ودعم الدول الأعضاء الجدد الخارجين من الحكم الإستعماري، وغالباً ما اعتمدت الوكالات الإنمائية والإنسانية التابعة للأمم المتحدة على ولاياتها الخاصة والقانون الدولي للتدخل عندما تقتضي الظروف والضرورة ذلك، وحالياً يقوم الممثلون الخاصون في مناطق النزاع والمنسقون المقيمون للأمم المتحدة في أماكن أخرى بأداء جيد حيث يعملون بلا كلل خلف الكواليس لتجنب النزاعات المحلية والدفاع عن المجتمع المدني ومعالجة عدم المساواة والأسباب الجذرية الأخرى لعدم الاستقرار السياسي وهذا ما تعتبره الأمم المتحدة ازدهاراً بعيداً عن الأنظار، وتؤكد التحليلات بان هذه المرحلة بالتحديد هي من ستعمل على تأمين مستقبل الأمم المتحدة أو فقدانه في عالم معظم سكانه شباب يستشيط غضباً واكثر تأثراً بعوامل النزاع والتوتر والصراع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى