عام

فزّاعة نهم السلاح الفتاك والغربان السود

أكرم القعيطي

أكرم القعيطي

كاتب وناشط جنوبي
في تبّةٍ تمتد بين خاصرتي جبلين-تبّة نهم- انتصبت فزاعة بعنفوان، كانت مزهوةً بالأشرطة الملونة ، يمتدّ ذراعها الأيسر قابضاً للسلاح الفتّاك الخشبي من الأمام بينما يقبضه ذراعها الأيمن في فضاء الحقل ،
وفوق الرأس الصغير انتصبت خوذةً رمادية مزركشة اللون بلون التحدي ، أما الدروع والمتارس الفولاذية فقد صُنعا من أصول الأرض ونتوءات الأحجار البارزة التي تيبست الحياة في عروقهما .
المنظر من بعيد كان يزرع الذعر في قلوب العصافير فتبتعد خائفة بعد أن تنال قضمة صغيرة من حبة تين أنضجتها حرارة الصيف في تلك التبة.
ذات ظهيرة ظهر سرب من غربان سود قيل أنها من غربان الأورق متوسطة الحجم رمادية اللون سوداء فيها لمعة أرجوانية أصابها الجوع بعد أن استوطنت أرضاً غير ذي زرع …جرداء إلا من بعض الحشائش الشوكية اليابسة.
أظهر كبير الغربان ويُدعى ب علي بلسن وكان طوله يقارب نصف المتر- قدرة كبيرة على اقتناص الفرص واستطلاع الأماكن الخصبة . بعد جولة أو جولتين سنةً او سنتين حول التبّة المثقلة بثمارٍ شتى حط رحاله على الفزاعة الشامخة في وسط التبّة- … كان الجو باردا قليلا في المنطقة الجديدة … حدّق في الجوار فلم يلحظ صيادين أو أفخاخا فدخلت السكينة قلبه،
وما هي إلا ثوان حتى أنشب مخالبه في الفزّاعة الشامخة الواقفة وقوف الجبال ع مدار سنتين ثم اصدر اصواتا ذات ترددات عالية استجاب لها السرب المختال بنفسه في الحال وانتشرت في التبّة عشرات من الغربان ذات السيقان القوية و المناقير الحادة ، فانقضّت على أشجار الفاكهة فعاثت فيها فسادا ولم ينج من هذا البلاء حتى ديدان الأرض .
بعد أن فرغ كبير الغربان من مهمته ووصل حد الارتواء عاد من جديد للأرض الجرداء ذات الأشواك اليابسة …شعر بالدفء بعد الوجبة اللذيذة ، وكان منتشيا وهو يرى بقية قومه وبلاطجته تتراقص فرحا بين أغصان الحقل في التبّة .
وصل الدفء الغراب الصغير -المقدشي- ودبّت الحياة في عروق وسواعد الفزاعة المتيبسة ، وتحركت شفتان متعبتان عصفت بهما الريح لتُلقيهما بعيداً عاطفةً معهما قصّةً بطوليّة لتلك الفزّاعة الفولاذية -السلاح الفتّاك – الذي حقّق أطول صمود على مرّ التاريخ أمام كبير غربان وقومه المدجّجين بكافة أنواع القوّة المهيئة لمعارك يخشاها رؤساء تباب الغربان المجاورة فضلاً عن هذه الفزّاعة الصامدة كل تلك الفترة التي تعرضّت فيها لاستنزاف وحرب باردة شاركت فيها حتى العصافير والصراصير لإسقاط الفزاعة الشجاعه .
كانت عودة الروح للفزاعة وسواعدها ومع انسدال الليل وعصفت الرياح بتلك الفزّاعة وعندها دار بداية حوار بين خصمين.
قال كبير الغربان لقد أبطلنا سحرك أيتها الفزاعة التي ظللتي ترهبينا على مدار عامين كاملين ، ولم تعد تهمنا انتصابتك البلهاء وهامتك الخرقاء ، قال كبير الغربان بسلن ذلك بشيء من السخرية مع قهقهة بشعة من غرابه الصغير المقدشي .
ولكن ليس كل الطيور بمثل ذكائك ودهائك ومكرك أيها الغراب الأورق ، ثمة عشرات العصافير تبتعد بمجرد رؤية الفزاعة ، وثمّة ايضا بالجهة المقابل عشرات الصقور الشريفة تقتحم التباب الأخرى ع ساحل البحر الأحمر الممتد على غروب الشمس فتموت مظلومةً شريفةً دون التفكير بنفسها لأن مبدؤها هو أن حياة شركاءها أهم من حياتها.
قال الغراب الكبير مخاطباً الفزّاعة-السلاح الفتاك-:
انتهى عصرك الذهبي و ستبقين منذ اليوم أضحوكة يتندّر بها أطفالنا ويلعبون بخوذتك .
أصبحت الغربان تقيم في الحقل بشكل دائم ، و رأت في الفزاعة مؤنسا في الليالي الموحشة ومكانا لقضاء الحاجة . مع مرور الأيام تيبست من جديد وسقطت الخوذةُ فقدت لونها وتناثرت أذرعها فَقَدت توازنها وسقط رهان الفزاعة -السلاح الفتّاك- على الغربان السود وكبيرهم مع هبوب النسائم والانتصارات المزيّفة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى