عام
أيُّها الجنوبيون اقبلوا بعضكم فالمصير واحد
حال الحراك الجنوبي كراكبي طائرة يفتح بابها من الخارج، وطاقم الطائرة له باب مستقل يفتح من الداخل والخارج، وهي تطير في جو وعاصف.. والخوف ليس من ركوب الطائرة، فالجميع ركبها حراك وغير حراك، بل يكمن الخوف في عدم وصول الطائرة إلى الجهة المنشودة بسبب تدافعهم على الكراسي الأمامية القريبة من الباب “كرسي قدام”، ولكي تنجح أي مجموعة تسعى للتخلص من البقية. . . وتهددهم برميهم من الطائرة لأنهم لايستحقون الوصول إلى “الخير الموعود” ورميهم يقتضي خرم الطائرة، وهم عاجزون عن خرمها…
وفي وسط هذا الصخب والصراخ ينادي طاقم الطائرة (الأخوة الركاب أهدأوا وعودوا إلى المقاعد، سوف تصلون جميعاً، ولن يصل أحد قبل الآخر) والركاب لايذعنون ويستمرون بالصراخ، وحينها تهتز الطائرة هزة كبيرة تقذف بالجميع إلى الخلف، ويعودون للسباق من جديد، وتستمر الطائرة بالاهتزاز وعدم الاتزان… وبفعل الاهتزازات والعواصف والصواعق وصخب الركاب، تضيق نفس الطاقم ويقررون الهبوط بالطائرة في الصحراء، قائلين لبعضهم (هؤلاء لايستحقون أن نغامر بحياتنا من أجلهم فهم لايستحقون الوصول) فيعود الطاقم إلى بلادهم لبنائها، والركاب لايستطيعون فتح الباب..!! فتكون الخاتمة كما حدث مع قائد الجيش المصري المشير بدوي ومعه ١٣ لواء من قيادات الجيش المصري، خرج الطاقم بسلام والركاب هلكوا لأن الباب يفتح من الخارج.
من يريد أن يقود شعب عليه البحث عن كل مايجمعه بالنخب والنقابات والأفراد القائدة المؤثرة في الشعب، وينمّيه، ويحاول كسب البعيدين عنه.. ويسعى لبناء ثقافة الشراكة والتعاون وقبول الجميع بالجميع، وسيكون هو الكاسب الأول؛ لأنَّ الجميع سيقبل به أمامهم بالكراسي الأمامية وهم خلفه.. أما من يضع التخوين عقيدة نضالية، ويجمع حوله الغوغاء ويطلقهم للنيل من الجميع لاسقاطهم، لايفرِّق بينهم وبين المستعمر، فمصيره الفشل، لأنَّه لايستطيع الاستغناء عنهم في مرحلة الثورة، بعكس مرحلة الدولة..
من يريد أن يقود شعب فلايسمح لمن حوله باستعداء باقي قيادات الثورة ونخب المجتمع، فيصبحون ضده.. وعليه أن يتعلم من ثوَّار عظام، ليعرف كيف قادوا الثورة وبنوا الدولة؛ قال الثائر الرئيس عبدالناصر يرحمه الله في كتاب “فلسفة الثورة” صدر في ١٩٥٤ :-
[وما أشبه شعبنا اليوم بقافلة كان يجب أن تلزم طريقاً معيناً؛ وطال عليها الطريق؛ وقابلتها المصاعب، وانبرى لها اللصوص وقطاع الطرق؛ وضللها السراب، فتبعثرت القافلة؛ كل جماعة منها سارت في ناحية، وكل فرد مضى في اتجاه . . . وما اشبه مهمتنا في هذا الوضع بدور الذي يمضي فيجمع الشاردين والتائهين ليضعهم على الطريق الصحيح، ثم يتركهم يواصلون السير.. هذا هو دورنا ولا اتصور لنا دوراً سواه. ولو خطر لي أننا نستطيع أن نحل كل مشاكل وطننا لكنت واهماً، وأنا لا أحب أن أتعلق بالأوهام. إننا لانملك القدرة على ذلك ، ولانملك الخبرة لنقوم به .
إنما كل عملنا أن نحدد معالم الطريق كما قلت؛ وأن نجري وراء الشاردين فنردهم إلى حيث ينبغي أن يبدلوا المسير، وأن نلحق بالسائرين وراء السراب فنقنعهم بعبث الوهم الذي يجرون وراءه.. ولقد كنت مدركاً منذ البداية أنها لن تكون مهمة سهلة ؛ وكنت أعلم مقدماً أنها ستكلفنا الكثير من شعبنا .
ولقد كان يجب أن نتكلم بصراحة؛ وأن نخاطب عقول الناس وكان الذين سبقونا قد تعودوا أن يعطوا الوهم، وأن يقولوا للناس مايريد الناس أن يسمعوه..!! وما أسهل الحديث إلى غرائز الناس؛ وما أصعب الحديث إلى عقولهم..!! فغرائزنا جميعاً واحدة؛ أما عقولنا فموضوع الخلاف والتفاوت.. وكان ساسة مصر في الماضي من الذكاء بحيث أدركوا هذه الحقيقة؛ فاتجهوا إلى الغريزة يخاطبونها ، أما العقل فتركوه هائماً على وجهه في الصحراء .
وكنا نستطيع أن نفعل نفس الشيء.
كنَّا نستطيع أن نملأ أعصاب الناس بالكلمات الكبيرة التي لانخرج عن حد الوهم والخيال؛ أو ندفعهم وراء أعمال غير منظمة لم تعد لها العدة أو تتخذ لها أُهبة ، أو كنا نستطيع أن نترك أصواتهم تبح من كثرة هتافهم ]
