علوم

من نافذة في براغ إلى حروب عالمية.. هل يفك الـAI شفرة “تأثير الفراشة”؟

خوارزميات الأزمات في مهمة مستحيلة لاستباق الفوضى العالمية

سمانيوز /متابعات /رشا عبد المنعم

 

إن رصد الأحداث التي قد تؤدي إلى فترات كبرى من الاضطراب أمر صعب للغاية. فهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون البلورة السحرية التي نحتاجها؟ قبل أربعمائة عام، في ما يعرف الآن بجمهورية التشيك، كان إلقاء الخصوم من النافذة وسيلة درامية للإدلاء ببيان سياسي. ففي 23 مايو 1618، اتهمت مجموعة من النبلاء اثنين من الحكام الملكيين بتجاهل حقوقهم، وانتهت المواجهة بإلقاء الحكام وسكرتيرهم من نافذة في الطابق الثالث لقلعة براغ.

 

ومما يثير الدهشة أن المسؤولين الثلاثة نجوا من الموت؛ حيث تباينت التفسيرات التاريخية حول أسباب نجاتهم بين من اعتبرها واقعة استثنائية، ومن أرجعها إلى وجود مواد لينة في موقع السقوط خففت من قوة الارتطام. ولم يكن هذا الصدام في جوهره سوى انفجار لسنوات من الاحتقان السياسي والحقوقي بين القوى المتنازعة، لكنه تحول إلى نقطة تحول حاسمة؛ إذ فجر ثورة “بوهيميا” التي توسعت لتصبح “حرب الثلاثين عاماً”، وهي واحدة من أكثر الصراعات استنزافاً في التاريخ.

 

تأثير الفراشة

 

تجسد هذه الواقعة جوهر ما يُعرف بـ “تأثير الفراشة”؛ وهو مصطلح علمي يصف كيف يمكن لحدث ضئيل أو “رفرفة جناح فراشة” أن تطلق سلسلة من التفاعلات المتلاحقة التي تنتهي بكارثة في مكان آخر من العالم. فالتاريخ مليء بهذه النماذج: مسؤول أخطأ في الحديث فاندفع الآلاف نحو جدار برلين؛ أو سائق سلك طريقاً خاطئاً في سراييفو فأشعل الحرب العالمية الأولى.

 

بالنظر إلى الماضي، كانت علامات التحذير واضحة. يمكن لمجموعة من العوامل أن توفر الوقود لحدث كارثي، لكن التحدي يكمن في معرفة أي شرارة هي التي ستشتعل مسبقاً. ويأمل الباحثون أن تتمكن نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة يوماً ما من تحقيق ذلك؛ فهم يعتقدون أنه مع وجود بيانات كافية، سيكون من الممكن رسم خريطة لكيفية تحول التموجات الناتجة عن حوادث بسيطة إلى موجات مد عاتية تغير الأسواق المالية أو تشعل الثورات.

 

إن فكرة التنبؤ بالمستقبل بناءً على أنماط الماضي ليست جديدة. ففي النصف الأول من القرن العشرين، رائد عالم الاجتماع الروسي الأمريكي “بيتيريم سوروكين” نهجاً قائماً على البيانات لتفسير انهيار الإمبراطوريات، وحاول قياس عدم الاستقرار المجتمعي من خلال جمع بيانات عن “الأحداث الصغرى” مثل الاغتيالات، و”الأحداث الكبرى” مثل الحروب الأهلية. وفي حالة روما القديمة، استخدم بياناته للقول بأن المادية المفرطة والانحلال هما ما أديا إلى سقوط الإمبراطورية.

 

يواصل بيتر تورتشين، خبير النمذجة الرياضية للتاريخ، هذا النهج في مختبر تاريخ العالم بجامعة أكسفورد، حيث جمع فريقه 80 ألف قطعة من البيانات حول المجتمعات القديمة. ويقول الباحثون إنهم يبحثون عن “لحظات الأزمة”، حيث يتم تحليل البيانات للبحث عن أنماط بمساعدة النماذج الحاسوبية التنبؤية. وقد توصلوا إلى أن الثورات تنبع عادة من تلاقي عوامل محددة: فقر السكان، وزيادة عدد النخب المتنافسة على مناصب محدودة، وأزمة مالية في الدولة.

 

استخدم تورتشين هذه الأساليب في عام 2010 ليتوقع أن عام 2020 سيكون فوضوياً بشكل خاص، محذراً من “ثالوث مظلم” من الأمراض الاجتماعية. وبعد جائحة عالمية وفترة من الاضطراب السياسي المكثف، بدا تورتشين وكأنه يمتلك بصيرة نافذة. وحالياً، يستخدم الفريق الذكاء الاصطناعي للمساعدة في جمع وتصنيف مجموعات البيانات التاريخية الضخمة، لكنهم يأملون في استخدامه مستقبلاً في جانب التنبؤ لتعزيز النمذجة الرياضية.

 

نمذجة الفوضى

 

ليس من المستغرب أن الحكومات والجيوش هي الأكثر اهتماماً بهذا المجال. ففي عام 2020، استخدم مشروع استخباراتي أمريكي ذكاءً اصطناعياً يُدعى “Raven Sentry” للتنبؤ بهجمات في مناطق النزاع عبر تحليل بيانات العنف التاريخية والطقس وصور الأقمار الصناعية، وحقق دقة بلغت 70%. كما تدعي شركات دفاعية أنها تنبأت بتحركات عسكرية كبرى عبر تحليل بيانات المصادر المفتوحة، رغم أن هذه الادعاءات لم يتم التحقق منها بشكل مستقل.

 

على الرغم من هذه الطموحات، لا يزال معهد “آلان تورينج” يرى أن التكنولوجيا لم تنضج تماماً. وتكمن الصعوبة في الحصول على بيانات تدريب صحيحة، فالمعلومات حول أحداث كبرى مشتتة في أماكن سرية داخل مجتمعات الاستخبارات. كما تؤكد الأبحاث أنه من الصعب جداً التنبؤ بما يدور في أذهان القادة حالياً، لذا تظل قدرة الذكاء الاصطناعي محصورة في تتبع مؤشرات المخاطر وتحديد النتائج المحتملة بعد وقوع الصدمة.

 

محاكاة النزاعات

 

يقول “إيجين تشاوسوفسكي” من معهد “نيو لاينز” إن فهم الآثار المترتبة على الكارثة لا يقل أهمية عن معرفة وقت وقوعها. وقد استخدم فريقه الذكاء الاصطناعي لمحاكاة أزمات جيوسياسية لتقييم التأثيرات على أسواق الطاقة وأشباه الموصلات. ومن المثير للاهتمام أن “البوتات” التي تلعب دور القادة في هذه المحاكاة تميل إلى أن تكون أكثر تحفظاً من اللاعبين البشر، حيث تمتنع عن اتخاذ إجراءات تصعيدية غير متوقعة.

 

ينشر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالفعل الذكاء الاصطناعي لتقييم تأثير الكوارث الكبرى، مثل الزلازل، لتقدير حجم الدمار وتوجيه الإنقاذ بدقة. كما يستثمر في الإنذار المبكر عبر “لوحة مخاطر الأزمات” لتحديد المناطق الساخنة المحتملة قبل تصعيد الأمور، من خلال مراقبة خطاب الكراهية والبيانات الاقتصادية الكلية وحركات النزوح والتهجير السكاني.

 

يأمل المنظمون الماليون أيضاً أن يمنحهم الذكاء الاصطناعي ميزة استباقية. فمن خلال الوصول إلى بيانات فورية حول ملكية الأصول، يمكن استخدام تقنيات “التعلم العميق” لتنظيم الأسواق بشكل أفضل. بدلاً من مجرد التنبؤ بالأزمات، يركز الباحثون على تحديد مكامن الخطر الحقيقية ومن سيتعرض للمشاكل فعلياً عند وقوع موجة ضغط مالي كبرى في النظام المصرفي الموازي.

 

في دراسة حديثة، بنى “أنطونيو كوبولا” نموذجاً تدرب على بيانات محافظ مالية تغطي 40 تريليون دولار، واستطاع التنبؤ بدقة بالأسواق والمستثمرين الذين ساهموا في الانكماش خلال أزمات سابقة. وكانت النتائج أفضل بـ 10 مرات من الطرق التقليدية القائمة على النظرية الاقتصادية. ومع ذلك، يؤكد كوبولا أن الذكاء الاصطناعي يجب ألا يحل محل النمذجة الاقتصادية التقليدية بل يكملها ويعزز دقتها.

 

تحذيرات تقنية

 

بينما يحقق الذكاء الاصطناعي نجاحات في “بطولات التنبؤ” العالمية، هناك احتمال بأن يكون هو نفسه السبب في الأزمة العالمية القادمة. يتوقع العديد من الاقتصاديين حدوث “فقاعة ذكاء اصطناعي” قد يؤدي انفجارها إلى تدمير الأسواق المالية، فضلاً عن تحذيرات رؤساء شركات التقنية من الاضطرابات المجتمعية الواسعة التي قد تسببها هذه التكنولوجيا في المستقبل القريب.

 

عند سؤال روبوتات الدردشة عن احتمالية تسبب الذكاء الاصطناعي في أزمة عالمية، كانت الإجابات متباينة؛ فقد رفض “Claude” إعطاء رقم، بينما اعتبرها “Gemini” احتمالية بنسبة 50%. أما “ChatGPT” فقد قدر احتمالية مساهمته في أزمة عالمية خطيرة خلال هذا القرن بنسبة 20-40%، بينما وضع احتمالية وقوع أزمة وجودية تهدد البشرية عند أقل من 5% فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى