علوم

من يرفع أغنيته إلى يوتيوب.. هل يسلّمها للذكاء الاصطناعي؟

سمانيوز /متابعات /نورا المرزوقي

 

لسنوات، كان يوتيوب بالنسبة للفنانين منصة نجاة، فمن لا يملك شركة إنتاج ضخمة يستطيع أن يرفع أغنيته، يصنع جمهوره، ويصل إلى العالم من شاشة صغيرة. لكن جدلًا قانونيًا جديدًا يطرح سؤالًا مقلقًا: هل كان الفنان، حين يضغط زر “رفع”، يفتح بابًا آخر لا يراه؟ بابًا يسمح لـ”غوغل” باستخدام موسيقاه في تدريب الذكاء الاصطناعي؟

 

القضية بدأت مع دعوى رفعها موسيقيون مستقلون ضد “غوغل”، متهمين الشركة باستخدام أعمالهم المنشورة على يوتيوب لتدريب نموذجها الموسيقي “Lyria 3” من دون إذن أو تعويض. النموذج، الذي طورته “غوغل ديب مايند”، يستطيع توليد مقاطع موسيقية من أوامر نصية أو صور داخل تطبيقات غوغل، ما يضعه في قلب معركة أكبر حول من يملك الصوت حين تتعلم الآلة من الأغاني البشرية.

 

لكن رد “غوغل” كان لافتًا، فالشركة لم تعتمد فقط على حجة “الاستخدام العادل”، كما تفعل شركات تقنية كثيرة في قضايا التدريب على البيانات. بل قالت للمحكمة إن الفنانين أنفسهم منحوا “غوغل” ترخيصًا واسعًا عندما رفعوا أعمالهم إلى “يوتيوب” ووافقوا على شروط الخدمة. وبحسب ما نقلته “بيلبورد وميوزك بزنس وورلدوايد” المختصة في أخبار الموسيقى والأعمال، ترى “غوغل” أن شروط “يوتيوب” تمنحها ترخيصًا عالميًا، غير حصري، وخاليًا من الإتاوات، وقابلًا للترخيص الفرعي والنقل، لاستخدام المحتوى “في إطار أعمال غوغل”، وأن هذا الترخيص يغطي ما يشتكي منه الفنانون.

 

بمعنى أبسط: “غوغل” تقول إنك، كفنان، وافقت على ذلك حين قبلت شروط يوتيوب. أما الفنانون فيرون أن هذا تفسير خطير ومبالغ فيه، فالموافقة على نشر أغنية لجمهور المنصة لا تعني بالضرورة الموافقة على تحويلها إلى مادة خام لتدريب نموذج يستطيع إنتاج موسيقى جديدة قد تنافسهم.

 

“يوتيوب” ليس أرشيفًا صغيرًا، بل هو واحد من أكبر مستودعات الموسيقى والفيديو في العالم. وتشير تقارير حديثة عن بيانات التدريب الموسيقي أن مجموعات ضخمة استخدمت في تدريب الذكاء الاصطناعي تضم 12 مليون و9 ملايين أغنية، إضافة إلى مجموعات أصغر تضم كل منها أكثر من 100 ألف عمل. بعض هذه المجموعات لا يحتوي الملفات نفسها، بل روابط لأغانٍ على منصات مثل “يوتيوب” و”سبوتيفاي”، ما يفتح بابًا واسعًا أمام أدوات التنزيل الآلي والتدريب غير الشفاف.

 

وتقول تقارير عن الدعوى إن “لايريا 3” أُطلق في فبراير 2026، ويستطيع توليد مقاطع مدتها نحو 30 ثانية من أوامر نصية أو صور، قبل أن يرفع الموسيقيون المستقلون دعواهم في مارس، ثم تطلب “غوغل” إسقاطها في يونيو. هذا التسلسل الزمني يوضح سرعة انتقال التقنية من المختبر إلى السوق ثم إلى المحكمة.

 

ما يجعل القضية مختلفة أن “غوغل” تملك المنصة التي رُفعت عليها الأعمال. في قضايا أخرى، تدافع شركات الذكاء الاصطناعي عادة بأنها جمعت بيانات عامة أو أن التدريب “استخدام عادل”. أما هنا، فالمنطق أخطر: المنصة نفسها تقول إن شروطها قد تكفي لتحويل المحتوى المرفوع إليها إلى وقود لتدريب النماذج. وإذا قبلت المحكمة هذا التفسير، فقد يصبح كل فنان أو صانع محتوى أمام سؤال جديد: هل شروط النشر هي عقد توزيع فقط، أم عقد تدريب ذكاء اصطناعي أيضًا؟

 

القضية لا تخص الموسيقى وحدها. إذا كان رفع أغنية إلى “يوتيوب” قد يعني، بحسب “غوغل”، ترخيصًا لتدريب نموذج موسيقي، فماذا عن الفيديوهات؟ الوجوه؟ الأصوات؟ الرقصات؟ المحاضرات؟ هل تتحول المنصات التي بنى عليها المبدعون جماهيرهم إلى أرشيفات تدريب للشركات التي تملك الخوادم؟

 

بعض المنصات بدأت تشعر بحساسية المسألة. ففي 2024، أثير جدل حول شروط “ساوندكلاود” بعد ظهور بند يسمح باستخدام المحتوى في تدريب الذكاء الاصطناعي، قبل أن توضح الشركة أنها لا تستخدم محتوى الفنانين لتدريب نماذج توليدية ولا تسمح لأطراف ثالثة بذلك. هذا يبيّن أن المسألة لم تعد تقنية فقط، بل أصبحت أزمة ثقة بين الفنانين والمنصات.

 

جوهر الخلاف هو معنى الموافقة.. فالشركات ترى في شروط الاستخدام نصًا قانونيًا كافيًا، بينما يرى الفنانون أن الموافقة الحقيقية تحتاج وضوحًا: هل ستُستخدم الأغنية للتوزيع؟ للأرشفة؟ للتوصية؟ أم لتدريب آلة تستطيع تقليد الأساليب وإنتاج موسيقى جديدة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى