ما بعد «اللينك».. الصحافة تستجدي «الاستشهاد»
الناشرون الكبار يحجبون زواحف التدريب ويفتحون الباب لزواحف البحث

سمانيوز /متابعات /أحمد الشنقيطي
على مدى عقدين، قامت العلاقة بين الصحافة الرقمية ومحركات البحث على صفقة بسيطة؛ حيث تسمح المؤسسة الإعلامية لزاحف «غوغل» بقراءة محتواها، فيعيد إليها القرّاء عبر الروابط. وحول هذه الصفقة نشأت صناعة كاملة لتحسين الظهور في محركات البحث، أعادت تشكيل العناوين والمقدمات وطريقة كتابة الأخبار نفسها. اليوم، تتفكك هذه الصفقة بسرعة غير مسبوقة، وتولد مكانها معادلة مختلفة، لم يعد السؤال فيها «كيف يجدني القارئ؟»، وإنما «كيف تختارني الآلة مصدراً لإجابتها؟ ومتى أسمح لها بذلك أصلاً؟».
وتختصر الأرقام حجم التحول. فبحسب شركة «تشارتبيت» لتحليل الجمهور، تراجعت الإحالات من بحث «غوغل» إلى مئات الناشرين بنسبة 40% بين يوليو 2025 ويوليو 2026، وهو ضعف التراجع المسجل في العام السابق. ويتوقع مسؤولو المؤسسات الإعلامية الذين استطلع معهد رويترز لدراسة الصحافة آراءهم أن تخسر مواقعهم 43% أخرى من زيارات البحث خلال ثلاث سنوات. ولم تعد العلاقة بين ملخصات الذكاء الاصطناعي وهذا التراجع مجرد استنتاج من تزامن الظاهرتين، إذ أثبتت دراسة تجريبية نُشرت في أغسطس الماضي أن نقل المستخدمين إلى «وضع الذكاء الاصطناعي» في بحث «غوغل» يخفض نقراتهم على مواقع الأخبار تحديداً. والخلاصة أن الرابط لم يعد مضموناً، وأن الطريق الذي كان يقود القارئ إلى الصحيفة صار ينتهي في كثير من الأحيان عند إجابة الآلة.
حجب وكُلفة
أمام هذا الواقع، طوّر الناشرون الكبار استراتيجية تفرّق بين وظيفتين للزواحف الآلية: زواحف تجمع المحتوى لتدريب النماذج، فيصبح جزءاً من «معرفتها» دون مقابل، وزواحف تبحث في الإنترنت لحظة طرح السؤال، فتستشهد بالمحتوى وربما تحيل القارئ إليه. وقد رصد تحليل لموقع «أكسيوس»، نُشر في أكتوبر الماضي، أن 42% من 102 من كبار الناشرين الأمريكيين يحجبون زواحف التدريب بالكامل، مقابل 25% فقط يحجبون زواحف البحث. أي أن هؤلاء الناشرين يقولون عملياً للشركات التقنية: لا نريد أن تتعلم نماذجكم من صحافتنا مجاناً، لكننا لا نمانع أن يجدنا المستخدم من خلال بحثكم.
غير أن هذا الحجب لا يعني أن الناشرين يستطيعون ببساطة إغلاق الباب في وجه الآلة، فكل زاحف تحجبه المؤسسة قد يعني قناة توزيع تخسرها. فقد وجدت دراسة لباحثين من كلية روتجرز لإدارة الأعمال وكلية وارتون، نُشرت في أبريل الماضي، أن حجب زواحف الذكاء الاصطناعي كلّف الناشرين نحو 7% من زياراتهم. وفي المقابل، لا يضمن الحجب الحماية الكاملة، إذ تجاهلت نحو 30% من عمليات جمع المحتوى الآلية التعليمات الصريحة في ملفات توجيه الزواحف، بحسب شركة «توول بِت» المتخصصة في ترخيص المحتوى. فالناشر الذي يحجب يدفع ثمناً مؤكداً مقابل حماية غير مؤكدة.
وتبلغ هذه المعضلة ذروتها مع «غوغل»، حيث تتداخل الأدوات إلى حد يربك حتى المختصين. فالشركة تستخدم زاحفها الأساسي «غوغلبوت» لفهرسة المواقع في البحث، وتُعدّ ملخصات الذكاء الاصطناعي و«وضع الذكاء الاصطناعي» جزءاً من خدمة البحث نفسها، تعتمد على المحتوى المفهرس. أما «غوغل إكستندد»، الذي يحجبه الناشرون ظناً أنه يحميهم، فليس زاحفاً مستقلاً أصلاً، وإنما رمز في ملف توجيه الزواحف يحدد استخدامات لاحقة للمحتوى الذي يجمعه «غوغلبوت»، أبرزها تدريب نماذج «جيميني»، دون أن يؤثر في ظهور المحتوى في البحث أو في ملخصاته. وحتى منتصف العام الجاري، لم يكن أمام الناشر الراغب في إخراج محتواه من هذه الملخصات سوى أدوات تخرجه معها من مقتطفات البحث التقليدي أو من نتائجه كلها.
ضغط تنظيمي
في يونيو الماضي، فرضت هيئة المنافسة والأسواق البريطانية على «غوغل» منح الناشرين تحكماً أكبر في استخدام محتواهم في خدماتها التوليدية، فأطلقت الشركة في «سيرش كونسول» إعداداً يتيح للمواقع الخروج من ملخصات الذكاء الاصطناعي و«وضع الذكاء الاصطناعي» وخصائص «ديسكفر» التوليدية، دون أن يمس ترتيبها في البحث التقليدي، وبدأ بالظهور خارج بريطانيا في يوليو. لكن الخروج ليس بلا كلفة. فبحسب بيانات شركة «نيوز داش»، باتت قرابة واحدة من كل ست عمليات بحث عن أخبار رائجة في الولايات المتحدة تعرض «أهم الأخبار» داخل ملخص الذكاء الاصطناعي نفسه، ما يعني أن الخروج من الملخص قد يعني الخروج من واجهة إخبارية كانت تجلب الزيارات.
ولهذا انتقل بعض الناشرين الكبار من الحجب الانتقائي إلى استراتيجية تفاوض صريحة. ففي مايو الماضي، تبنّت وكالة «رويترز» ومجلة «تايم» نهج «الحجب الافتراضي»، الذي يمنع كل الزواحف إلا المدرجة في قائمة سماح. وكشفت تجربة مجموعة «بيبول إنك» الإعلامية حجم ما كان يجري في الخفاء، إذ قفز عدد الزواحف التي حجبتها من نحو 2100 إلى أكثر من 30 ألفاً بعد التحول. والمنطق تجاري بالدرجة الأولى: كلما صعب الوصول إلى المحتوى، ازداد استعداد شركات الذكاء الاصطناعي لترخيصه. وتقول شركة «كلاود فلير»، التي بدأت حجب هذه الزواحف افتراضياً، إن الندرة التي خلقها الحجب دفعت الشركات التقنية إلى طاولة الترخيص.
وهنا يبرز السؤال الذي تتجنبه معظم النقاشات: إذا اختفت النقرة، فما قيمة الاستشهاد؟ فأن يذكر روبوت محادثة أو محرك بحث ذكي اسم الصحيفة في إجابته، لا يعني أن المؤسسة ربحت شيئاً. ففي النموذج القديم، كانت المعادلة واضحة: زيارة تتحول إلى إعلان أو اشتراك. أما في النموذج الجديد، فالسلسلة أطول وفائدتها غير واضحة؛ قراءة آلية، ثم استشهاد، ثم قيمة قد تأتي في صورة ترخيص، أو تعزيز للعلامة التجارية، أو زيارة محتملة لا أكثر. وتكشف أدوات القياس نفسها حجم الفجوة. فتقرير الأداء الذي أتاحته «غوغل» للناشرين عن ظهورهم في خدماتها التوليدية يعرض مرات الظهور فقط، دون النقرات أو الاستفسارات، فيما ألزمتها الهيئة البريطانية بتوفير بيانات النقرات بدءاً من ديسمبر المقبل. وتعقّد الصورة أكثر بيانات شركة «بازستريم»، التي وجدت أن 70.6% من المواقع الإخبارية الكبرى التي تحجب زاحف الاسترجاع الخاص بـ«تشات جي بي تي» لا تزال تظهر في بيانات الاستشهاد الخاصة به، أي أن المحتوى قد يُستشهد به حتى دون إذن صاحبه.
ولهذا بدأت النماذج التجارية تبحث عن وحدة قياس جديدة. فقد أعلنت «كلاود فلير» في أغسطس الماضي تحولها من نموذج «الدفع مقابل كل عملية زحف» إلى «الدفع مقابل الاستخدام»، الذي يحصل فيه الناشر على مقابل كلما ظهر محتواه في إجابة أو أسهم في خلق قيمة. وتتسابق مؤسسات مثل «أكسيوس» و«الغارديان» و«ذي أثليتك» على قياس حضورها في إجابات الذكاء الاصطناعي، رغم إقرار الخبراء بأن هذا المجال لا يملك بعد دليلاً موثوقاً كالذي تراكم لتحسين محركات البحث خلال عقدين.
معضلة العربية
وتطرح هذه التحولات على الصحافة العربية سؤالاً يتجاوز الحسابات التجارية. فالمحتوى العربي لا يمثل سوى 0.6% من المواقع التي يُعرف لغة محتواها، بحسب مؤسسة «دبليو 3 تكس»، رغم أن الناطقين بالعربية يتجاوزون 400 مليون. وهذا يعني أن نماذج الذكاء الاصطناعي تتعرف إلى العالم العربي، في جانب كبير منه، عبر مصادر إنجليزية أكثر مما تتعرف إليه عبر صحافته المحلية.
وقد نبّهت دراسة لغوية نُشرت عام 2022 إلى أن جانباً من نسخ «ويكيبيديا» العربية، وهي من المصادر الشائعة لتدريب النماذج، لا يكتبه ناطقون بالعربية. وهنا تنتقل القضية من أزمة توزيع وربح إلى قضية تمثيل معرفي: من سيحدد للآلة أسماء الأشخاص والأماكن وطريقة كتابتها، والسياقات السياسية والاجتماعية للأحداث، والمصطلحات العربية، والرواية المحلية لما يجري في المنطقة؟ فحين يغيب الصوت المحلي، لا تبقى الآلة صامتة، وإنما تروي الحكاية بلسان غيره.
ومن هذه الزاوية، يصبح قرار المؤسسة الإعلامية العربية بالحجب أو الانفتاح قراراً يتجاوز ميزانيتها. فالحجب الشامل قد يحمي المحتوى، لكنه قد يترك للمصادر الأجنبية أو الأقل موثوقية مهمة تعريف الآلة بالمنطقة. والانفتاح غير المشروط قد يمنح التمثيل، لكنه يفرّط في القيمة. وبين الخيارين، تبدو المؤسسات العربية مدعوة إلى ما بدأه نظراؤها في الغرب: أن تتعامل مع محتواها بوصفه أصلاً يُفاوَض عليه، لا مادة تُترك للزواحف.
وهكذا تقف الصحافة الرقمية أمام سؤال لم تواجهه من قبل: ما وحدة القياس الجديدة لقيمتها؟ هل هي الزيارة التي تتراجع، أم الاستشهاد الذي لا يُدفع ثمنه بعد، أم عدد المرات التي تُستخدم فيها مادتها في إجابات الآلة، أم الأموال التي يقبل أحد أن يدفعها مقابل ذلك؟ والإجابة عن هذا السؤال قد تحدد شكل الصحافة في العقد المقبل، كما حدد الرابط شكلها في العقدين الماضيين.
