مقالات

((أكابر المجرمين))..

بقلم/
سالم محمد الضباعي

ليس هناك من هو أكثر اجراماََ في حق الشعوب المستعمرة من الأمريكيين الا الفرنسيون والعكس صحيح الاستعمارين الفرنسي والأمريكي هما الأسوأ في تاريخ السؤ الاستعماري المجرم فإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد فاضت بجرائمها الاستعمارية في القارة الآسيوية بدءاََ من الحرب الكورية ومروراََ بالحرب الفيتنامية وجرائمها الوحشية في حق الشعوب في الفلبين وتايلاند وكمبوديا ولاوس وانتهاء بغزوها العسكري واحتلالها الاستعماري لأفغانستان والعراق وتدخلها العسكري الاستعماري في سوريا ونهجها المدمر في معاقبة وحصار الشعوب والدول المستقلة في مختلف أرجاء العالم.

وبدورها فإن الجمهورية الفرنسية قد صنعت تاريخاََ استعمارياََ وحشياََ رائداََ في القارة الأفريقية وتفننت في إلحاق الأذى بالشعوب الأفريقية المستعمرة من قبلها وكانت الممارسات الاستعمارية الفرنسية في الجزائر متفردة في شناعتها ففضلاََ عن المليون ونصف المليون من الجزائريين الذين قتلتهم فرنسا في أرضهم فإن الجرائم الاستعمارية الفرنسية لا تزال تتفاعل بصورة سيئة وسلبية حتى اليوم اي بعد حوالي الستين عاماََ من استقلال الجزائر ورحيل فرنسا عنها ملقية بظلال كثيفة وكئيبة على العلاقات التي تربط بين البلدين وعلى أن لتلك العلاقات أهمية كبيرة لأمن واستقرار المنطقة.

تنوعت جرائم الاستعمار الفرنسي في حق الجزائر وطالت كافة مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ولوثت بمخلفاتها الكثير من جوانب الحياة الطبيعية في هذا البلد العربي الأبي فهناك التجارب النووية التي كانت تجريها فرنسا في الصحراء الجزائرية وما خلفته من أرض موات وانسان مريض عبر الأجيال وهناك حركة ما تسمى ب(الحركى) وهم الخونة والعملاء من أبناء الجزائر الذين ناصروا الاستعمار الفرنسي على شعبهم وثورته وطليعة نضاله جبهة التحرير الجزائرية وكانوا ككل الخونة عبر التاريخ الأشد قسوة وايلاماََ لاهلهم وذويهم وقد بلغت إعداد (الحركى) وهي لدى الجزائريين رديف للخونة حوالي 150 الف حركي ضمن القوات الفرنسية.

وعندما أنهت الجمهورية الفرنسية احتلالها فقد تركت معظم هؤلاء لمصيرهم في الجزائر بعد تجريدهم من السلاح ولم تستقبل منهم بعد الجلاء سوى ما يناهز 60 الف حركي وقد جمعتهم ضمن معسكرات ومراكز إيواء وظروف معيشية وصفت بالقسوة وغير ملائمة وقد تكاثر هؤلاء عبر العقود الستة ليبلغ عددهم في فرنسا الآن حوالي نصف مليون شخص وهم يشكلون ملفاََ عالقاََ ومحرجاََ للدولة الفرنسية التي بدأ الرئيس مانويل ماكرون في الإعتراف بتقصير دولته تجاه أولئك الذين ناصروا فرنسا وقاتلوا ضمن جيشها كما أنه يمثل نقطة خلاف تسمم العلاقات بين فرنسا والجزائر.

تصور عزيزي القارئ أن دولة فرنسا التي تتشدق بحقوق الإنسان لم تعترف بحرب التحرير الجزائرية بينها وبين جبهة التحرير الوطني الجزائرية إلا في العام 2000م وكانت قبل ذلك تسمي تلك الحرب التي امتدت طوال سبعة أعوام 1956 _1962م والتي قتل فيها مليون جزائري ب(احداث الجزائر) وتصف ما قامت به أجهزتها العسكرية والأمنية هناك بكونها عمليات حفظ النظام ولا تزال فرنسا ترفض الاعتذار عن مرحلة استعمارها للجزائر وقد قوبل تصريح للرئيس الفرنسي ماكرون في عام 2017م الذي قال فيه إن احتلال فرنسا للجزائر كان (جريمة ضد الإنسانية) بالكثير من الغضب والرفض في الأوساط السياسية وجمعيات (الحركى).

وتتعدد الملفات العالقة بين فرنسا والجزائر فهناك ايضاََ ملف الأرشيف الفرنسي في الجزائر وهناك ملف رفات وجماجم الجزائريين في المتحف الفرنسي للإنسان ومعظمها تعود لقادة المقاومة الجزائرية خلال الفترة 1850 _ 1946م وقد تسلمت الجزائر رفات 24 مقاوماََ استشهدوا جميعاََ في القرن التاسع عشر ولا يزال هذا الملف مفتوحاََ وهناك ايضاََ ملف من يسمون ب(الأقدام السوداء) وهم المستوطنين الفرنسيين والأوروبيين في الجزائر الذين بدأوا بمغادرة الجزائر قبل الاستقلال وعددهم في ذلك الوقت حوالي مليون شخص ولم يتبقى منهم سوى بضعة آلاف فقط ويبلغ عددهم الآن في فرنسا حوالي مليون يشكلون قوة ضغط فاعلة ومن أبرز شخصياتهم رجل الصناعه بابالاردو والفنان المطرب انريكوماسياسي والسينمائي روجيه حنين وغيرهم كثير.

نسوق هذا بمناسبة الصدع العظيم الذي نشأ هذه الأيام بين أكابر المجرمين المستعمرين الأمريكان والبريطانيين من جهة وبين الفرنسيين والاستراليين من الجهة الثانية فيما يعرف بحلف (الغواصات) الذي أعلن عن قيامه بين الأمريكان والبريطانيين والاستراليين ضد جمهورية الصين الشعبية وعلى حساب فرنسا وأوروبا والذي أشعل نيران الغضب الفرنسي والرفض الأوروبي وقد جاء إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي يطلب فيه الصفح من الحركيين باسم فرنسا ويعلن عن قانون تعويض لهم بمثابة رش الملح على الجرح الأمريكي الناشئ حديثاََ في أفغانستان وتجاه مئات الآلاف من العملاء الذين يتسابقون للحاق بالمستعمر الأمريكي الهارب والمهزوم.

إن العلاقات الحاكمة بين الدول الثلاث العظمى أمريكا وبريطانيا وفرنسا (أكابر المجرمين) مرشحة للمزيد من التدهور بسبب الأطماع وفائض القوة العسكرية التي تهدد السلام والأمن في العالم بأسره كما أن الخلاف لا يقتصر على اتفاقية (اوكوس) بين الدول الثلاث بل إنه يقف على جبل من الخلافات داخل حلف الناتو وحول دوره ومستقبله وتشمل الرؤية الفرنسية والاتحاد الأوروبي إزاء طبيعة النظام الدولي وضرورة الانتقال من نظام القطب الأوحد الأمريكي إلى النظام الدولي التعددي كما تشمل الرؤية المستقبلية للعلاقة مع الاتحاد الروسي وطبيعة التعاون مع الصين الشعبية اقتصادياََ وتجارياََ وآثار ونتائج الإنسحاب البريطاني من الإتحاد الأوروبي والرؤية الأمريكية لحدود الاستقلال الأوروبي.

لقد أدت الصراعات الاستعمارية إلى حربين عالميتين مدمرتين وهي نفسها اليوم من تهدد الأمن والسلام العالمي وتقوده إلى حرب عالمية جديدة لا سمح الله.

الثلاثاء 21 سبتمبر 2021م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى