القاتلة.. في جيلها الرابع.

بقلم:
صايل حسن بن رباع
طالما كانت الحروب جزء مهم من التاريخ الإنساني، وقد خاضتها كل الأمم عبر الأزمان دفاعاً عن مصالحها أو طلباً لتحقيق مطامعها أو لنشر أو فرض قيمها على الآخرين،
وما زالت هذه الأسباب هي مقومات الصراع بين الأمم منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا،
مرت الحروب بأطوار مختلفه أبرزها كان الصراع المسلح بين جيوش نظامية لدولتين على حدود محدده إختلفت وسائلها بإختلاف الزمن،
وعرفت هذه الحروب بالحروب التقليدية ( Conventional War) أو الجيل الأول،
جاءت حروب الجيل الثاني والتي يعرفها البعض بحرب العصابات أو “حروب الغوريلا” (Guerilla War) في بعض الكتابات الإستراتيجية الأمريكية والتي وصفت بها الصراعات التي كانت تدور في دول أمريكا اللاتينية،
حروب الجيل الثاني شبيهة بالحروب التقليدية وتعرف عند العديد من الأمم بحروب الإستقلال من الإستعمار وقد ظهر فيها التفوق التسليحي النوعي لجيوش المستعمرين،
وبالمقابل تميزت بالحاله الثورة، والشجاعة الفردية، وعبقرية إستخدام الزمان والمكان والأسلوب، من جانب الثوار المحليين الساعين لإستقلال أوطانهم أو تشكيل حكوماتهم الوطنية أو الثورية أو تغيير أنظمة الحكم التابعة للمستعمرين أو الإنظمة الدكتاتورية،
وميز هذا النوع من الحروب أن الدول الإستعمارية كانت حاضرة فيها بجيوشها وإمكانياتها في مواجهة الآخرين.
أما حروب الجيل الثالث فتعرف بالحروب الوقائية أو الاستباقية ( Preventive War) كالحرب على العراق مثلاً، ويوصفها الخبير الأمريكي ويليام ليند بأنها طوُرَت من قبل الألمان في الحرب العالمية الثانية وسميت بحرب المناورات وتميزت بالمرونة والسرعة في الحركة واستخدام عنصر المفاجأة وأيضاً الحرب وراء خطوط العدو بحيث يكون الدمار من نصيب أراضي الأعداء.
واليوم يقف العالم على مفهوم جديد من الحرب سمي بحروب الجيل الرابع وقد اتفق الخبراء العسكريون بأن حروب الجيل الرابع هي حروب طورت من قبل الجيش الأمريكي وعرفوها بـ”الحرب اللا متماثلة”
( Asymmetric Warfare) حيث وجد الجيش الأمريكي نفسه يحارب لا دولة بعد
أحداث 11 سبتمبر 2001،
بمعنى آخر محاربة تنظيمات منتشرة حول العالم وهذه التنظيمات محترفة وتملك إمكانيات ممتازة ولها خلايا خفية تنشط لضرب مصالح الدول الأخرى الحيوية كالمرافق الاقتصادية وخطوط المواصلات لمحاولة إضعافها أمام الرأي العام الداخلي بحجة إرغامها على الانسحاب من التدخل في مناطق نفوذها،
وقد تميز الجيل الرابع من الحروب بأساليب جديده من قبيل إفشال الدول المحلية ، حيث يسعى العدو لزعزعة استقرار الدولة ثم فرض واقع جديد يراعي مصالح الدول الأقوى.
كما تميز بوجود قاعدة إرهابية غير وطنية أو متعددة الجنسيات،
وتطورت أساليب الجيل الرابع لتشمل الحرب النفسية المتطورة للغاية من خلال الإعلام وخاصة وسائل التواصل الإجتماعي والتلاعب النفسي بالشعب،
وتم إستخدام كل الضغوط المتاحة السياسية والأقتصادية والاجتماعية والعسكرية، وإستخدام تكتيكات حروب العصابات والتمرد، وكل التقنيات والأساليب التي عرفت خلال كل أجيال الحروب السابقة بل وكل ما توصل له العلم في الجوانب التقنية وعلوم الإجتماع والعلم النفسي….. الخ
ومن المعروف انه في تقنيات الجيل الرابع من الحروب، يكون خلق الدوله الفاشله داخل حدود العدو هو أفضل الوسائل لهزيمته.
و في الدوله الفاشله تظهر الأقاليم المتمرده على المركز الضعيف ،ومن ثم تظهر حاجة المركز والأقاليم المتمرده للدعم الخارجي، وهو ما يسمح للخارج بفرض إرادته على الداخل،
ويخضع الجميع.
تتصارع القوى في الدوله الفاشله ويكون آخر الواقفين منتصراً مهما كانت خسائره.
بقاء الدوله الفاشلة ككيان موحد مرتبط بإرادة القوى الخارجية التي قد تتصارع هي بدورها على النفوذ، وقد يغذي هذا نزاعات محلية وإقليمية او حتى دولية،
يكون على المنتصر محليا في الدولة الفاشلة الموازنه بين إرادة الخارج والإرادة المحلية لتحقيق ما يمكن من معايير الحياة وخلق التوافق المحلي ليحصل على الإستقرار، بالشروط التي تقبل بها القوى الدولية،
وبلاشك أن الدول العظمى والقوى الإقليمية أصبحت تفضل حروب الجيل الرابع التي توكل فيها العمليات القتالية لجماعات محلية متصارعة داخل أراضي العدو والاكتفاء بالتحكم بها من خلال المصالح السياسيه والإقتصادي والدعم اللوجستي والاستخباراتي،
لقد إصبحت حروب الجيل الرابع هي النسخه المفضله للقوى الدولية لفرض إرادتها على الدول الأضعف بدون الدخول في الصراعات المباشره التي قد تعرض جيوش الدول العظمى لخسائر مادية وبشرية فادحه،
ومؤخرا رأينا كيف قررت الولايات المتحده التخلي عن دعم النظام الحليف لها بأفغانستان والذي دعمته لعشرين عاماً، في سبيل تحويلها لدوله فاشله جديده في المنطقة وهو ما يؤمن للخارج فرض سيطرته على الداخل من خلال الدبلوماسية ويوفر ميزانيات هائلة على الخزينة الأمريكية،
في منطقتنا اجادت إسرائيل إستغلال فساد بنيوية دول عربية، لتحييد خطر كل أعدائها العرب من خلال خلق دول فاشلة تسعى كل الأطراف المتنازعه داخلها وحتى داعميهم من الدول المحيطة للحصول على الدعم اللوجستي والإستخباراتي الإسرائيلي وهو ما وفر لإسرائيل قوة ناعمة إستطاعت من خلالها ليس فقط تحييد الخطر عنها بل حصلت على موقع نفوذ داخل الحزام العربي يجعلها تشعر بأمان وإستقرار ونفوذ إقتصادي لم تكن تحلم به فيما مضى.
وللحروب بقية……
صايل حسن بن رباع
27 أكتوبر 2021
