مقالات

نماذج من مصائر .. الفاسدين المخزية

بقلم العميد الركن:

 علي ناجي عبيد

عثرت على حكاية واقعية موريتانية الصناعة والكتابة كما يبدو من عنوانها المفتتح بكلمة ( السارقون ) التي تعودنا عليها محلياً ( بالسرق ) في إحدى المجموعات في الواتس أب أعجبتني وكونها تتسق مع الحلقات الخاصة بمكافحة الفساد التي ركزت على أساليب ومظاهر الفساد وعلاماته لدى الفاسدين وأهاليهم وأقاربهم ومن حولهم .

 هنا ستجد النموذجين معاً النزيه والفاسد بقصة شائقة جداً نقلتها كما وردت، مع ملاحظة صغيرة عن الفاسد موبوتو.

 السارقون لايتعظون. 

في سنة 1973، زار الرئيس الزائيري وقت ذلك( الجنرال موبوتو سي سي  سيكو ) موريتانيا لمدة ثلاثة أيام ،

وحينها كانت موريتانيا من أفقر بلدان القارة  الأفريقية، واقتصادها يعتمد على  صيد الأسماك والزراعة والرعي .

أثناء المباحثات في الأيام الثلاثة، لاحظ الرئيس الزائيري أن مضيفه الرئيس الموريتاني المختار ولد داداة ( أول رئيس لموريتانيا بعد استقلالها من الاحتلال 

الفرنسي) لم يغير بدلته طيلة اللقاءات في الأيام الثلاثة، فأدرك موبوتو أن مضيفه لا يملك المال الكافي لشراء البدلات الأنيقة، باهظة الثمن.

فعند اختتام الزيارة، وفي صالة المغادرة في مطار نواكشوط ، 

سلم الرئيس الزائيري موبوتو شيك بمبلغ 5  ملايين دولار لسكرتير الرئيس، منعاً للحرج، وكان قد أرفق مع الشيك ورقة فيها عناوين أشهر مصممي دور  الأزياء في العاصمة الفرنسية باريس، حيث كان  موبوتو تصنع بدلاته، وكان يأمل أن تصنع للرئيس  المختار ولد داداه هناك بدلاته الرسمية وتوابعها..

بعد مغادرة الرئيس الزائيري سلم  السكرتير  الرئيس ذلك  الشيك ومقداره خمسة ملايين دولار ، قائلاً: إنها هدية من الرئيس موبوتو لكم مخصصة لشراء بدلات رسمية ولوازمها من باريس.

فما كان من الرئيس ولد داداة إلا أن يستلم الشيك ويسلمه على الفور إلى وزير المالية الموريتاني وأمره بأن يضع المبلغ في حساب الدولة..

وبعد ذلك أمر الرئيس أن تجهز بهذا المبلغ المدرسة العليا لإعداد المعلمين في موريتانيا، حيث كانت موريتانيا تعاني من نقص شديد في هذا المجال، بسب الفقر وضعف الموارد.

بعد مرور خمس سنوات، أي  (في العام  1978) توقف الرئيس الزائيري في المغرب قادماً من الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت زيارته إلى المغرب لمدة أسبوع، وحين علم ولد داداة بتوقفه في الرباط؛ اتصل به ودعاه لزيارة موريتانيا، وترجاه أن  يقبل الدعوة ولو بزيارة قصيرة..

وفي الطريق من المطار إلى القصر الرئاسي  لاحظ موبوتو  وجود لافتات باللغة الفرنسية تزين الشوارع مكتوب عليها :

 شكراً زائير..  شكراً موبوتو.. شكراً على  الهدية..

وقبل أن يصل الموكب الرئاسي إلى القصر توقف في مدرسة إعداد المعلمين والمعلمات، فترجل موبوتو من السياره واستفسر من الرئيس الموريتاني بتعجب: ما الهدية التي يشكرني عليها الشعب الموريتاني، ولم أصل إلا قبل ساعة إلى نواكشوط؟ وحقيقة الأمر أني لم أحمل هدايا معي ولم أكن مستعداً لهذه الزيارة؟!!. 

عندئذ ابتسم الرئيس المختار وقال له  :

هذه المدرسة هي هديتك القيمة، إنك قدمت مبلغ  خمسة ملايين دولار قبل خمس سنوات بنينا بها هذهِ المدرسة  لإعداد المعلمين والمعلمات، حيث كان شعبنا بأمس الحاجة إلى المال كي يحارب 

الأمية والفقر ، فعانقه موبوتو 

وقال له : لو قدر أن يكون باقي الزعماء الأفارقة مثلك لاختفت الأمية واختفى الجهل ومات الفقر والتخلف .

فاستطرد المختار قائلاً : 

إن راتبي استلمه شهرياً من خزانة الدولة فأنا لا أعمل  بلا أجر ،  والشعب الموريتاني لهديتك أحوج أما هندامي فبخلاص شعبي 

من الجهل والفقر ..! فبالعلم  نقضي على الآفات والمعوقات  المعرقلة لمسيرتنا..

 عرفت عن الرئيس المختار 

رحمه الله (المتوفى سنة 2003) 

البساطة والابتعاد عن مظاهر 

الترف والبذخ،  فقد كان يسكن في بيت لا يتجاوز الغرف الثلاث.

هذه القصة الواقعية نشرتها قبل خمس سنوات . أما اليوم فأنا أقدمها هدية لكل لص ينعق بالوطنية ويتستر بالدين الحنيف لمزيد من سرقة قوت الشعوب ولمزيد من قتل أحلام البسطاء .

السارقون في بلادنا لا يتعظون -وهنا مكمن المصيبة العظمى- 

متى يتعظ الفاسدون؟؟ متى نحاسب السارقين ؟            اللهم إليك نشكو ضعفنا وسطوة الظالمين علينا، اللهم أرزقنا لسانا ينصف وقوة لا تضعف؛ ويداً لا ترجف، وقلباً لا يخلف.

منقول.. ملاحظة: 

الديكتاتور موبوتو سي سي سيكو استولى على السلطة في بلاده عام 1965 بمساعدة الولايات المتحدة وبلجيكا، ونتيجة لفساده وانتشار الفوضى والفساد طُرد إثر ثورة شعبية عام 1997م ، أي بعد حكم 33 سنة ، لم يجد من حلفائه السابقين حتى من يستقبله لأسباب إنسانية، للعلاج من السرطان، تبرعت المغرب بقبوله وتقديم قبر مؤقت له في الرباط مثله مثل الديكتاتور شاه إيران الذي تبرأ منه حلفاؤه وأصدقاؤه حتى تبرع قرينه في الفساد السياسي والقيمي أنور السادات لقبوله كي يموت ويدفن في القاهرة جراء إصابته بالسرطان. 

فهل من معتبر  أم أن ( السارقون لا يتعظون ).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى