تثبيت ثقافة الحوار والتعايش لن يكون إلا بتثبيت النظام والقانون .

كتب : ندى عوبلي
من خلال تجربتنا في مدينتنا الحبيبة عدن والتي جعلت منها بريطانيا أثناء استعمارها لعدن خلال ال 19 من يناير١٨٣٩- وحتى الآن من نوفمبر١٩٦٧م مدينة كيسموبليتينة (متعددة الأعراق) حينها كانت عدن كلوحة فسيفيسائية تشد الأنظار إليها، فيها العدني ابن البلد الأصل داخلها الهندي الذي دخلها مع سفينة المستعمر (داريا دولت) كجندي احتلال للقوات البريطانية، حيث كانت الهند الشرقية إحدى دول الكومنولث البريطانية سكنها بالطبع الإنكليزي الفرنسي الفارسي البنجابي الهندوسي التركي المصري العراقي، جاء إليها بائع اللوز والقعقع من السعودية وبائع اللؤلؤ من البحرين وقطر، سكنها الصنعاني وابن اليمن التعزي التهامي الإبي ومن كل مناطق الشمال الذين كانوا هاربين من الثأر ومن ظلم الإمام إلى عدن عاصمة الحب والنور، سكنها الحبشي وكذا الدنكلي التنزاني ومن كل جهات الأرض الأربعة أقاموا فيها وعشقوا نظامها أمنها وأمانها والسلام فيها. حيث كان الكل في هذه المدينة الوادعة تربطهم علاقات إنسانية برغم تعدد الأعراق والأديان ففيهم المسيحي واليهودي والسيخ والبوذا والبينيان وعبدة النار ، هنا معبد وهنا كنيسة وفي الوسط جامع ، الأرض للجميع والدين لله، لم يتشاجر الناس لخلاف ديني قط أو عنصري إطلاقا الكل أمام القانون كأسنان المشط متساوون ، لكل منهم عمله ، منهم التجار تجارة حرة ، منهم عمال بسطاء والبعض ضمن الشركات والبنوك والبريد العام ، أعمال خاصة والخطوط الجوية والبحرية ومنهم سائق التاكسي الأجرة منهم من يعمل في مجال الصاغة للذهب والفضة والأحجار الكريمة ، في مساكنهم كانوا متجاورين ، اليهودي يتوقف عن الطبيخ في شهر رمضان نهاراً ولا يمضغ الطعام جهاراً أمام المسلمين احتراماً لدين الإسلام ، وكذا المسيحي ، ولا يستهزئ المسلمون بأي ديانة كانت ، الحرية في الدين والمعتقد هو السائد وفق القانون وكان الجميع يحتفل بعيد الفطر والأضحى، ويرتدي الثياب الجديدة يتشارك الجميع الفرحة بتعاضد قل نظيره، وهكذا المسلمون يستمتعون بأعياد الفرس والمسيح واليهود ويتبادلون الوجبات والهدايا بالأعياد، البسمة تعلو وجوههم لا غل لا حسد لا بغضاء تجمعهم ، فلكل يوم معلوم يقف أمام ربه ، لسنا أوصياء على الناس لقد تبين الرشد من الغي فمن اتبع ملة له أجرها وعليه ما دون ذلك .
التعايش السلمي والتبادل الثقافي الذي كان سائدا تلكم الفترة أغنى المجتمع بثقافات متعددة منها القصص والألعاب الشعبية الرياضة الجماهيرية الفن الطرب المسرح الأزياء الشعبية، حتى تناول المداعة في جلسات القات كانت تجمع الأطياف المختلفة من الأديان والأعراق بلا خلاف، الكل كان يحترم القانون والنظام ، الذي كان وحده الفيصل بين المختلفين والكل يحمل جل الاحترام للقانون وتطبيقه برضى تام وقناعة لأنه كان يقضي بين المختلفين بالعدل والإنصاف، لا موقع لمحاباة أحد على حساب الآخر أو مكان للرشوة والواسطة على الإطلاق
وكانت تجمع أهالي المدينة منتديات ثقافية رياضية حقوقية سياسية ومعها نشر الوعي على نطاق واسع وأشهرها منتدى أولاد لقمان الذي اعتنى بتوعية الناس بحقوقهم في وطنهم.
كان هنالك الترزي من أصول هندية يفصل أجمل الملابس النسائية والرجالية، وهنالك أفخم المعارض للملابس ماركات إيطالية فرنسية البريطانية للملابس والأحذية والشنط والعطور تنافس تجاري شريف بين التجار من مختلف الأطياف لم نسمع اغتيالات هنا أو هناك أو عدوان لأجل تجارة كان الاستيراد والتصدير من الإبرة حتى المواد الكهربائية والخشبية والبلاستيكية ، وتجارة البن والبهارات والزعفران التي اشتهر بها شارع الزعفران بكريتر كانت الملاحة البحرية والجوية تعمل على مدار ٢٤ساعة وكل الأسواق مكتظة وكل البضائع تستهلك تباع وتشترى حسب العرض والطلب من أراد اللهو كان له ومن أراد العبادة لم يمنعه أحد دور السينما وخشبات المسرح فعالة بديمومة اشتهرت فيها الأغنية العدنية اللحجية الحضرمية وبلغت أصقاع الأرض، وهكذا ممثلي المسرح فرقة مصافي عدن آخرها وقبلها فرق مسرحية عدة.
لم يكن هناك أي تشوهات في المجتمع أية عصابات متطرفة رغم وجود حزب الإخوان وأحزاب دينية أخرى بالمقابل كانت دولة تحكم وتهيمن بالنظام والقانون على كل حركة وسكون في المجتمع، هنالك الصحافة المحلية التي بدأت في أواخر الاربعينيات من القرن المنصرم تنتقذ وتعطي رأيها وآراء المتابعين لها حرية الرأي لم تُقمع وهنالك قانون الصحافة الذي يلزم الجميع باحترامه والتقيد به.
لماذا كان الناس برغم اختلاف معتقداتهم واعراقهم متعايشين يتحاورون فيما يفيد المصلحة العامة بلا تعصب بلا مناطقية بلا عنصرية.، واليوم يستصعب العيش علينا رغم أننا جميعنا جنوبيون عرب لسان عربي وعقيدة واحدة ؟!! .
أتدرون لماذا ياسادة ، لأنه لا يحترم النظام والقانون من قبل القائمين عليه بالدرجة الأولى ومن قبل قيادات الدولة ومن قبل الشعب، لم تعد هنا ثقافة احترام القانون والنظام استشرى الفساد بكل مفاصل الدولة خاصة عقب الوحدة صار الفساد شرها جداً كالغول لايترك شيئاً، عطل تنفيذ القوانين وتطبيق النظام استشرت الرشوة فضاعت الحقوق وبات المظلوم شرساً يأخذ حقه بذراعه خلافاً للقوانين والأنظمة لجور القائمين عليها.
فأي الشعوب إن أرادت أن تفعل الحوارات الوطنية المجتمعية بين نخب الشعب وبين المواطنين لتثبيت التعايش السلمي عليها بإرساء قوة النظام والقانون .
