مقالات

اليمن .. حرب، فساد، ومشاريع متقاطعة

كتب : علي عبدالله البجيري

ما زال اليمن غارقا في أزماته المزمنة منذ أكثر من تسع سنوات، لم تفلح الوساطات الإقليمية ولا الدولية في الوصول إلى حلول لها وعلى وجه الخصوص وقف الحرب، والدفع بأطرافها إلى عدم التشدد في المواقف والاقتناع بأن الحل السياسي لتلك الأزمات هو المخرج الوحيد.

الأزمة اليمنية معقدة “اختلط فيها الحابل بالنابل”، أي اختلطت الآراء وتضاربت المواقف، حتى أنها أصبحت واحدة من الأزمات الدولية الأكثر تعقيدا وصعوبة في العالم.

نعم لقد اختلط الحابل بالنابل وتداخلت مصالح أطراف الحرب وتخادمت تلك المصالح مع الإرهاب والفساد والمخدرات والارتزاق. إنها أزمة مركبة أطرافها النخب السياسية والمشائخ القبلية والقيادات العسكرية، كل يرى فيها مصلحة تتجسد في الحفاظ على السلطة والنفوذ. فبدون ضمان تلك المصلحة فل ينهد السقف على المعبد على أساس تلك القاعدة الميكافيلية أصبح الشعب هو الضحية وتناثرت مصالحه بين هذا وذاك. وينتظره مستقبل مجهول.

عند النظر إلى مبررات كل طرف نرى أن هناك ثلاثة مشاريع متقاطعة، كل مشروع له خلفيته وأدواته وأساليبه.

المشروع الأول هو ما تتبناه جماعة أنصار الله الحوثية، والذي يدعو إلى حكم اليمن كوحدة متكاملة وبما يتوافق مع رؤيتها وأفكارها وولاية الفقيه . والمشروع الثاني هو المشروع الذي تتبناه الشرعية اليمنية، والذي يدعو إلى الحكم وفقا للنظام الفيدرالي بتقسيم اليمن إلى عدد من الإقاليم. أما المشروع الثالث فهو تمسك الجنوبيين باستعادة دولتهم بحدود ما قبل مايو عام 1990م.

أمام تلك المشاريع المتقاطعة التي يتمسك كل طرف برؤيته تجاهها، طفح الكيل وبلغ السيل الزبى، فالوضع أصبح غير محتمل، والحل يكمن في الخطوة الأولى وهي الاتفاق على وقف الحرب. حينها يمكن لجميع الأطراف العمل على تهيئة الظروف المناسبة لخوض مفاوضات مباشرة، يتم فيها بحث أوجه الخلاف ومن ثم وضع الحلول الكفيلة بإخراج البلاد من أزمتها المستفحلة، وصولا إلى تحديد هوية الحكم في الشمال، وهويته في الجنوب.

اليمن اليوم بحاجة إلى أن تطغى المصالح الوطنية على غيرها من المصالح الأخرى ، ولتحقيق ذلك لابد من أن تجرى مفاوضات مباشرة بين أطراف الأزمة اليمنية، تسبقها مصالحات مجتمعية نابعة من الأصول والشهامة الوطنية الصادقة. مفاوضات تهدف إلى التعاطي مع الحقائق والاعتراف بحق كل طرف على أرض الواقع.

دون تلك المخرجات فإن الأزمة اليمنية ستظل مستعصية، ومهما كانت هناك من مبادرات وحلول لا تلمس تلك المخرجات، فإنها ستظل مبادرات وحلول سرعان ما ستتهاوى أمام الواقع والمعطيات. وما يؤكد ذلك هو ما آلت إليه تلك المفاوضات التي تمت في السابق بين النخب صاحبة المصلحة من هذه الأوضاع المزرية. ولعل مازاد الطين بلة، هو أن أطرافا إقليمية أصبحت تدفع باتجاه تأجيج الأمور أكثر وأكثر، بدعمها على إنشاء دويلات جديدة وكيانات سياسية يتم صناعتها بين ليلة وضحاها بهدف خلط الأوراق . والنتيجة” ظهور إمارة في مأرب وإمارة أخرى في الساحل الغربي والبقية ستلحق.

حاليا حالة الحرب في اليمن تخضع لاتفاق مؤقت يقضي بسريان الهُدنه، وليس بفعل اتفاق شامل يقضي بوقف الحرب، تلك الهدنة التي يتخذ منها كل طرف استراحة محارب لتعزيز استعداداته العسكرية. لذلك يظل الواقع على الأرض ملغوماً وقابلاً للانفجار بين الفينة والأخرى.

أما الفساد فحدّث ولا حرج لقد سيطر، الفساد على كل مناحي الحياة وخاصة في القطاعات المنتجة للنفط والغاز،ووصل إلى التعليم والإدارة المحلية، والمؤسسات الاقتصادية، والبعثات الدبلوماسية في الخارج ، ساعد على ذلك عدم دفع المرتبات للقطاعات الحكومية والجيش والأمن والمتقاعدين.

إذا هذا هو وجه اليمن الذي رأه الشاعر عبدالله البردوني بقوله :

“أيدري إخوتي وأبي أنّي يمانيّ بلا يمن ؟! هل لي هنا أو ها هنا وطنٌ ؟ لا ، لا : جراحي وحدَها وطني !” “فظيع جهل ما يجري وأفظع منه أن تدري.” وهل تدرينَ يا صنعا من المُستعمر السِّري، غُزاة لا أُشاهِدهُم

وسيفُ الغزِو في صدري.”

رحم الله شاعرنا الكبير البردوني، فقد أصاب وأجاد في وصف اليمن حينذاك. وها هو اليوم مرة أخرى يعود ضريرا ،بسبب المصالح والارتماء في أحضان إيران والدول الخليجية وتنفيذ اجندات خارجية مزقت اليمن وانهكت الشعب جوعا وفقرا ، وأمراضا وجهلا. لا أمل ولا جديد يلوح في الأفق المنظور غير “شعارات الموت” إنها الثقافة الجديدة التي تلخص حياة الإنسان اليمني في كلمتين “يا قاتل يا مقتول”.

أعلم أن البعض سيقول إن هذه المفاوضات والمصالحات إن تمت لن تحل الأزمة، وهنا أقول حتى”خيار الانتخابات الديمقراطية بمفهومها الغربي” لن توصلنا إلى بر الأمان، فنتيجتها محسومة سلفا،نحن في بلد يتضور شعبه جوعا،وهنا يلعب المال أولاً ومشيخة القبيلة والمليشيات، ثانياً دور مؤثر وستكون النتيجة كما يتمناها إخوان اليمن ولهم باع طويل في هذا الخيار.

خلاصة القول : عدم التمكن من أجراء المصالحات والتفاوض المباشر يؤدي إلى إغلاق كل الأبواب،واستمرار القتال والخراب والدمار الذي شاهدنا فصوله طوال السنوات التسع الماضية.

وفي حالة الفشل ، فإن السيناريو القادم بيد الدول العظمى إذا تعرضت مصالحها وتجارتها للخطر ، وهو التدخل وتطبيق الحل الذي أدى إلى تسوية القضية “،اليوغسلافية”ولعل الحشد العسكري الأمريكي البريطاني الذي نراه اليوم في” باب المندب” مقدمة لحدث كبير قادم في اليمن .نسأل الله السلامة للجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى