مقالات

قمة العشرين .. هل جاء الدور على قناة السويس ومستقبل ميناء عدن؟

كتب : علي عبدالله البجيري

من قمة الناتو العسكرية، إلى قمة السبع الصناعية، والخاتمة بقمة العشرين العالمية، قمم عقدت بشكل متوال، توحي بأن هناك حراكا اقتصاديا وسياسيا ذات أبعاد استراتيجية تمس في صلب مستجدات العلاقات الدولية وعلاقتها في ثبات سياسة القطب الواحد. هنا نتوقف ونحلل نتائج تلك القمم ، وماذا حملت للعالم من مشاريع؟ ثم ماذا بشأن من لاحول ولاقوة لهم في عالم تسيطر عليه وتتقاسمه الدول الكبرى ؟!

القمم الثلاث، مهمتها رسم ملامح مستقبل العالمِ وفقا لمنظارها وتصوراتها، فهي تضع سياساتها ليس في أروقةِ مبنى الأمم المتحدة. بل ترسمُ على طاولاتٍ خاصة بها، وإن تعددت مسمياتها، إلا أنها تلتقي حول مصالحها الاقتصادية.

مشاريع إستراتيجية المستفيد منها اللوبي الصهيوني الأمريكي لتحويل كيانه الإسرائيلي إلى” سيد القرار والمسيطرة على الشرق الأوسط” أما العرب فلهم الثناء والشكر من الرئيس الأمريكي بايدن في قمة العشرين بقوله( لو لاكم ما كنا ندشن هذا المشروع التاريخي شكرا شكرا شكرا). كلمات تقدير لموافقة الإمارات والسعودية على تمويل المشروع والإعلان عنه رسميا في قمة العشرين التي عقدت في يومي 9و10 سبتمبر في تيودلهي فما هي الخلفية الاقتصادية لهذا المشروع؟

مشروع استراتيجي اطلق عليه ” الممر الاقتصادي” وهو جزء من مشروع أكبر اسمه (مشروع الشراكة من أجل البنية التحتية والاستثمار) مشروع أقرته وأعلنت عنه قمة السبع الصناعية الكبرى عام 2022 لكنها فشلت في توفير الأموال المطلوبه والتي “قدرتها بمبلغ 600″ مليار دولار ستذهب كما يقولون لإنشاء مشاريع بنية تحتية للدول الفقيرة والنامية وشركاء الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها.

ونظرا لما تعانيه الدول السبع من أزمات اقتصادية بعد جائحة كورونا والتزاماتها المالية والاقتصادية والعسكرية تجاه أوكرانيا ، بالإضافة إلى الانعكاسات السلبية للعقوبات الاقتصادية على روسيا ، فشلت في توفير التمويل ،فوجدت أمريكا أن الحل يتمثل في انضمام دول الخليج العربية لتوفير المال للمشروع وهذا ما تحقق.

ولعلي أتوقف هنا عند بعض مما يقرأ خلف السطور المشار إليها أعلاه في النقاط التالية :

أولاً : مشروع ” الممر الاقتصادي” الأمريكي يربط دول الخليج العربية وأوروبا عبر إسرائيل، ومن أهدافه :

منافسة وإفشال المشروع الصيني” الحزام والطريق”

تحقيق أهداف سياسية واستراتيجية لواشنطن أهمها دمج إسرائيل في المنطقة، مايمهد لإسرائيل عقد اتفاقات إبراهيمية جديدة مع السعودية والكويت وسلطنة عمان وقطر، وأخيرا إضعاف مكانة قناة السويس ودورها العالمي في التجارة الدولية. بالإضافة إلى تهميش مستقبل ميناء عدن الذي كان يؤمل عليه أن يعود كما كان تاريخيا “نقطة عبور رئيسية للبضائع التي تنتقل بين آسيا وأفريقيا وأوروبا”.

ثانيا : المشروع يحوّل السعودية والإمارات وإسرائيل إلى محطات مرور بين آسيا وأوروبا، حلقات مكملة للاتفاق الثلاثي بين إسرائيل وقبرص واليونان على حساب المصالح العربية، والتي تم استبعاد مصر عنوة من أن تكون ممرا حيويا لنقل غاز شرق المتوسط إلى أوروبا. والأخطر ما في مشروع قمّة العشرين أنه يتخادم مع قائمة مشروعاتٍ أخرى “تشكل بمجملها منافسا وبديلا لقناة السويس.

.

ثالثا : مشروع قمة العشرين يشمل خط سكك حديدية وربط موانئ بحرية وخطوط لنقل الكهرباء والهيدروجين، وكابلات لنقل البيانات. ولا تشمل الأطراف الموقّعة مصر (أميركا، السعودية، الإمارات، الاتحاد الأوروبي، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا)، ويرتفع سقف طموح المخطط ليشمل سككا حديدية جديدة من أنغولا إلى زامبيا والمحيط الهندي. ويتألف المشروع الجديد من ممرّين منفصلين : شرقي يربط الهند والخليج العربي، وشمالي يربط الخليج وأوروبا.

رابعاً : رئيس وزراء إسرائيل ” نتنياهو ” وعبر حسابه على منصة “إكس”،زف لمواطني إسرائيل، بشرى تحول إسرائيل إلى مفرق رئيسي في هذا الممر الاقتصادي”.

وقال إن “السكك الحديدية والموانئ البحرية في إسرائيل ستفتح بابًا جديدًا من الهند عبر الشرق الأوسط إلى أوروبا، وبالاتجاه المعاكس من أوروبا إلى الهند”. وتابع نتنياهو : “رؤية هذا المشروع تعيد تشكيل ملامح منطقة الشرق الأوسط”وأشار إلى أنّ المشروع الاقتصادي “سيشمل مدّ سكك حديدية، ووضع أنابيب هيدروجين، ووضع ألياف اتصالات بصرية، ووضع خطوط كهرباء وغيرها من البنى التحتية”.ووصف نتنياهو المشروع بأنه “التعاون الأكبر في تاريخ إسرائيل”.

خامسا : الشيخ حمد بن جبر ال ثاني رئيس وزراء قطر الأسبق،علّق حسابه في منصة” إكس” بالقول : “حتى نتبين التبعات الإيجابية أو السلبية لهذه المشاريع والخطوط على “قناة السويس” مثلاً باعتبارها ممراً مائياً استراتيجياً لمصر وللعرب عموماً .. ولابد كذلك أن توضح الدراسة الطرق الأمثل لتعامل الدول العربية عموماً مع هذه المشاريع لضمان حقوقها وعدم تهميش دورها، فلا تكون مجرد ممر تتنافس فيه هذه الخطوط”.

وأتم بقوله : “من الواضح أن ميناء حيفا ( الإسرائيلي) سيكون هو المستفيد الأول من هذه الخطوط، وأضاف ومع أني لا أعترض على ذلك، فإني أعتقد أنه “يجب أن تكون الخطوط الاقتصادية المقترحة عاملاً مساعداً في السلام ضمن خطة سلام إسرائيلية فلسطينية عربية تعطي كل ذي حق حقه”.

سادسا : مشروع “الممر الاقتصادي” يعود بذاكرتي إلى كتاب قرأته في التسعينيات من القرن الماضي” لشيمون بيريز” رئيس وزراء إسرائيل الأسبق بعنوان شرق أوسط جديد، أشار فيه إلى خطط بلاده والدور الذي ينتظرها لقيادة الشرق الأوسط الجديد. صحيح أن الموت غيب ” شيمون بيريز” ولم يحضر القمة ولكن رسالته وأهداف كتابه كانت حاضرة بقوة في قمة العشرين في نيودلهي. الرئيس الأميركي جون بايدن كان محقا بقوله للمشاركين في القمة إن المشروع “يغيّر قواعد اللعبة”. نعم هذه هي المستجدات في قواعد اللعبة الأمريكية. فقد جاء الدور لاستهداف الموانئ والممرات البحرية العربية ومنها ” قناة السويس، ومستقبل ميناء عدن .

سابعا : روسيا من جانبها تعمل على إنجاز مشاريع تمثل بدائل لقناة السويس في اتجاهين : ممر شمالي قطبي ، وخلال أعوام قليلة سيكون ممرًا بين أقصى شرق آسيا وغرب أوروبا ، وفي اتجاه الجنوب تخطّط روسيا لربط الهند وإيران بممر “شمال – جنوب” الذي ينقل البضائع بين عدة دول، أهمها الهند، من دون المرور عبر “قناة السويس.وقد أعلنت رسميا يوم الخميس 14 سبتمبر الحالي نجاح تجربة طريق بديل لقناة السويس، وتسليم أول شحنة غاز مسال من خلال بحر الشمال، بتسليم أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال عبر طريق بحر الشمال في القطب الشمالي إلى الصين.

ثامنا : الإمارات العربية سبق لها وأن وقعت اتفاقًا للنقل مع إيران وتركيا (ممرّ الشارقة – مرسين) لنقل البضائع دون المرور بقناة السويس، أما العراق فجمع عدة دول في مشروع مشترك للنقل الدولي يسمّى “طريق التنمية” يبدأ من ميناء “الفاو الكبير” عبر خط سكك حديد فائق السرعة لنقل ملايين الحاويات بين شمال الخليج والموانئ التركية.

الخاتمة .. هل يدرك العرب أنهم بدعم مشروع” الممر الاقتصادي الأمريكي” يعملون على إضعاف مصر والتأثير على إيرادات قناة السويس” التي يمربها 12 من حركة التجارة العالمية. كما هو على الجانب الآخر ” سد النهضة الاثيوبي” والذي يتهم المال العربي بالمساهمة في بنائه والمتوقع له أن يؤدي إلى “تعطيش الشعب المصري” ألا يعلم العرب أن استهداف مصر سيضعف قوتها وحضورها الإقليمي والدولي، ألا يعلمون أنها مشاريع مدروسة الأهداف خبيثة المقاصد. دول الخليج تعرضت لضغوط أمريكية ورحلات مكوكية لسكرتير مجلس الأمن القومي الأمريكي “جيك سوليفان” استخدم فيها سياسة العصا والجزرة لتسويق الممر الاقتصادي وتمويله بأموال عربية. ما نتحدث عنه هنا حقائق على الأرض يراها كل متابع للشؤون الاقتصادية والسياسية في المنطقة. فهل العرب جاهزين لدخول معترك صراع الأقطاب، صراع هيمنة قطب على الآخر، أم إحلال التوازن في العلاقات السياسية والاقتصادية الدولية؟ هذا ماستكشفه قادم الأيام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى